للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

أو للبناء على عادته تعالى معه، ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام، حيث قال: {عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ}، ولذلك أتى بصيغة التوقع.

وهذه (١) الآية أصل في الهجرة، من ديار الكفر إلى أرض، يتمكن فيها من إقامة وظائف الدين والطاعة. وأول من فعل ذلك إبراهيم عليه السلام، هاجر مع لوط وصار إلى الأرض المقدسة.

١٠٠ - ولما هاجر من وطنه، ودخل الأرض المقدسة، طلب الولد، فقال: {رَبِّ هَبْ لِي} ولدًا صالحًا {مِنَ الصَّالِحِينَ}؛ أي: بعض الكاملين في الصلاح، يعينني على الدعوة والطاعة، ويؤنسني في الغربة، هكذا قال (٢) المفسرون، وعللوا ذلك، بأن الهبة قد غلب معناها في الولد، فتحمل عليه عند الإطلاق، وإذا وردت مقيدةً، حملت على ما قيدت به، كما في قوله تعالى: {وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣)} وعلى فرض أنها لم تغلب في طلب الولد فقوله: {فَبَشَّرْناهُ} على لسان الملائكة {بِغُلامٍ حَلِيمٍ}؛ أي: ذي حلم، وحلم؛ أي: بلوغ. يدل على أنه ما أراد بقوله: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)} إلا الولد، والغلام (٣): من جاوز العشر، وأما من دونها فصبي، كما قاله بعض أهل اللغة كما سيأتي، والحليم: من لا يعجل في الأمور، ويتحمل المشاق، ولا يضطرب عند إصابة المكروه، ولا يحركه الغضب بسهولة، ولقد جمع فيه ثلاث بشارات: بشارة أنه غلام، وأنه يبلغ أوان الحلم فإن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليمًا، وأي حلم يعادل حلمه، حين عرض عليه أبوه الذبح، وهو مراهق فاستسلم.

روي: أن إبراهيم عليه السلام، لما جعل الله النار عليه بردًا وسلامًا، وأهلك عدوه النمرود، وتزوج بسارة، وكانت أحسن النساء

وجهًا، وكانت تشبه حواء في حسنها، عزم الانتقال من أرض بابل إلى الشام، فلما دخل الأرض المقدسة، دعا ربه أن يرزقه الولد، فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) أي: رب هب لي أولادًا مطيعين، يعينونني على الدعوة، ويؤنسونني في الغربة، ويكونون عوضًا من قومي وعشيرتي الذين فارقتهم،

١٠١ - فاستجاب ربه دعاءه، فقال:


(١) روح البيان.
(٢) الشوكاني.
(٣) روح العجائب.