للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

يعمّ كل أحد، غير أنّ المنيب يأكل ذاكرًا وشاكرًا للإنعام، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام، ولذلك لم يخصص الرزق بقيد.

{وَأَحْيَيْنَا بِهِ}؛ أي: بذلك الماء {بَلْدَةً مَيْتًا} تذكير {مَيْتًا} باعتبار البلد والمكان؛ أي: أرضًا جدبة لا نماء فيها أصلًا، بأن جعلناها بحيث ربت، وأنبتت أنواع النبات والأزهار، فصارت تهتز بها بعدما كانت جامدة.

وقرأ الجمهور: {مَيْتًا} (١) بالتخفيف، وقرأ أبو جعفر، وخالد: بالتثقيل؛ أي: وأحيينا بذلك الماء الأرض المجدبة التي لا نبات فيها، فتربو وتنبت من كل زوج بهيج.

ثمّ جعل ما سلف كالدليل على البعث؛ لأنّه شبيه به، فقال: {كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} جملة قدّم فيها الخبر للقصد إلى القصر، وذلك إشارة إلى الحياة المستفادة من الإحياء؛ أي: مثل تلك الحياة البديعة حياتكم بالبعث من القبور، لا شيء مخالف لها، وفي التعبير عن إخراج النبات من الأرض بالإحياء، وعن إحياء الموتى بالخروج؛ تفخيم لشان الإنبات، وتهوين لأمر البعث، وتحقيق للمماثلة بين إخراج النبات وإحياء الموتى، لتوضيح منهاج القياس، وتقريبه لأفهام الناس، وقد روي: "أنّ الله يمطر السماء أربعين ليلة كمنيّ الرجال، يدخل في الأرض، فينبت لحومهم وعروقهم وعظامهم، ثم يحييهم، ويخرجهم من تحت الأرض".

١٢ - ثم ذكر سبحانه الأمم المكذّبة لرسلها، فقال: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ}؛ أي: قبل أهل مكة {قَوْمُ نُوحٍ}؛ أي: كذبوا نوحًا وجميع الرسل؛ لأنّ تكذيبه تكذيب لهم لاتفاقهم في أصول الدين. {و} كذّب قبلهم {أَصْحَابُ الرَّسِّ} رسولهم، قيل: كانت الرس (٢) بئرًا بعدن لأمة من بقايا ثمود، وكان لهم ملك عدل حسن السيرة، يقال له: العنيس بوزن زبير، وكانت البئر تسقي المدينة كلها وباديتها، وجميع ما فيها من الدواب والغنم والبقر وغير ذلك؛ لأنّها كانت بكرات كثيرة منصوبة


(١) البحر المحيط.
(٢) روح البيان.