للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

فيفقر ويغني ويمنع ويعطي ويقبض ويبسط حسبما تقتضيه الحكمة الربانية، ولو أغناهم جميعًا لبغوا, ولو أفقرهم جميعًا لهلكوا، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم (١): {يُنَزِّلُ} بتشديد الزاي. وابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف.

والمعنى (٢): أي ولو أعطى عباده من الرزق فوق حاجتهم، لحملهم ذلك على البغي والطغيان، وطلب ما ليس لهم طلبه؛ لأن الغنى مبطرة مأشرة، وكفى بحال قارون وفرعون، عبرة لمن اعتبر، ولكن يرزقهم ما فيه صلاحهم، وهو أعلم بحالهم، فيغني من يستحق الغنى، ويفقر من يستحق الفقر، بحسب ما يعلم من المصلحة في ذلك.

والخلاصة: أنه تعالى خبير بما يصلح عباده، من توسيع الرزق، وتضييقه، فيقدر لكل واحد منهم ما يصلحه. فيبسط ويقبض ويعطي ويمنع، ولو أغناهم جميعًا لبغوا. ولو أفقرهم جميعًا لهلكوا، فنظام العالم لا يستقر إلا على هذا الوضع القائم، الجامع بين الأمرين، فخوف الأغنياء يَزَعُهُم عن الظلم، وخوف الفقراء من الأغنياء، يدعوهم إلى التعاون معهم ليفوزوا بمبتغاهم، ويزعهم عن البغى، وقال قتادة: كان يقال: خير الرزق ما لا يطغيك ولا يلهيك.

٢٨ - وبعد أن بين أنه لا يعطي عباده ما زاد على حاجتهم؛ لأنه يعلم أن الزيادة تضرهم في دينهم، ذكر أنهم لو احتاجوا إلى الغيث، فهو لا يمنعه عنهم، فقال: {وَهُوَ} سبحانه وتعالى الإله: {الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ} والمطر من السماء على الأرض، فيغيثهم به من الجدب، ولذلك خص بالنافع منه. فإن المطر قد يضر. وقد لا يكون في وقته. قال الراغب: الغيث يقال في المطر. والغوث في النصرة {مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا} أي: يئسوا منه. وتقييد تنزيله بذلك مع تحققه بدونه أيضًا، لتذكير كمال النعمة. فإن حصول النعمة بعد اليأس والبلية، أوجب لكمال الفرح. فيكون أدعى إلى الشكر. وقرأ الجمهور: {قَنَطُوا} بفتح النون، وقرأ الأعمش وابن وثاب بكسرها. {وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ}؛ أي: يبسط بركات الغيث ومنافعه وما


(١) المراح.
(٢) المراغي.