للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

محمد - صلى الله عليه وسلم - .. كان كفار القوم وعرفاؤهم على الرأي الدهماء من عبادة الأوثان والأصنام، وكانت دعوة الحق خافتة لا يرفع بها إلا صوته - صلى الله عليه وسلم -، ثم يهمس بها بعض من يلبي دعوته من الضعفاء، فيسر بها إلى من يرجو الخير فيه، ولا يستطيع الجهر بها لمن يخافه.

ومن شأن القوي المعتز بقوته وكثرة ماله وعزة نفره، أن يضحك ممن يخالفه في المنزع، ويدعوه إلى غير ما يعرف، كما كان ذلك شأن جماعة من قريش، كأبي جهل وشيعته، وأمثالهم كثيرون في كل زمان ومكان، متى عمت البدع، وخفي طريق الحق، وتحكمت الشهوات، وذهب الناقص يستكمل ما نقص منه بتنقيص الكامل، وإذا صار الناس إلى هذه الحال ضعف صوت الحق، وازدرى السامعون منه بالداعي إليه.

٣٠ - وقد روي أن صناديد قريش كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السهمي، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف وأضرابهم، كانوا يؤذون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ويستهزئون بهم، ويحرضون عليهم سفهاءهم وغلمانهم، وهم الذين قال الله فيهم: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)} روي أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه جاء في نفر من المسلمين، فرآه بعض هؤلاء الكفار، فسخروا منه، وممن معه، وضحكوا منهم وتغامزوا بهم، ثم رجعوا إلى بقية شيعتهم من أهل الشرك، فحدثوهم بما صنعوا به وبأصحابه، فنزل قبل وصول علي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا}؛ أي: فقراء المؤمنين {بِهِمْ}؛ أي: المشركين، وهم في أنديتهم، وهو الأظهر، وإن جاز العكس أيضًا. يقال: مرَّ مرًا ومرورًا: إذا جاز وذهب، كاستمر ومره ومر به: جاز عليه، كما في "القاموس": ويعدى بالباء وعلي {يَتَغَامَزُونَ}؛ أي: يغمز بعضهم بعضًا، ويشيرون بأعينهم، ويعيبونهم، ويقولون: انظروا إلى هؤلاء يتعبون أنفسهم، ويتركون اللذات، ويتحملون المشقات لما يرجونه في الآخرة من المثوبات، وأمر البعث والجزاء لا يقين به، وإنه بعيد كل البعد، والتغامز: تفاعل من الغمز، وهو الإشارة بالجفن والحاجب، ويكون بمعنى العيب أيضًا.

٣١ - {وَإِذَا انْقَلَبُوا}؛ أي: وإذا انقلب الكفار ورجعوا من مجالسهم {إِلَى أَهْلِهِمُ}؛ أي: إلى أهل بيتهم وأصحابهم الجهلة الضالة التابعة لهم، والانقلاب: الانصراف