للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

ذلك منه، فالله لم يحرم من ذلك ما تحرمون، ولا أحل كثيرًا مما تحللون، وإجمال ذلك: لا تسموا ما لم يأتكم حله ولا حرمته عن الله ورسوله حلالًا وحرامًا فتكونوا كاذبين عليه، لأن مدار الحل والحرمة عليه ليس إلا حكمه تعالى.

عن أبي نضرة قال: قرأت هذه الآية في سورة النحل، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا، وقد صدق، فكل من أفتى بخلاف ما في كتاب الله وسنة رسوله - لجهله بما فيهما - فقد ضل وأضل من يفتيهم، ولله در القائل:

كبَهِيْمَةٍ عَمْيَاءَ قَادَ زِمَامَها ... أَعْمَى على عِوَجِ الطَّريقِ الحَائِرِ

أخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: عسى رجلٌ يقول: إن الله أمر بكذا أو نهى عن كذا، فيقول الله عز وجل: كذبت، أو يقول إن الله حرَّم كذا أو أحل، فيقول الله له: كذبت.

ثم أوعد المفترين وهدَّدهم أشد التهديد فقال (١): {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ}؛ أي: يتخرصون ويتقولون {عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} في أمورهم صغيرها وكبيرها {لَا يُفْلِحُونَ}؛ أي: لا يفوزون بخير في المطالب التي لأجلها كذبوا على ربهم، إذ هم متى عرفوا بالكذب .. مَجَّهُمُ الناس، وانصرفوا عنهم، وعاشوا أذلة بينهم ممقوتين، ويكونون مضرب الأمثال في الهوان والصغار، إلى ما يصيبهم من الخزي والوبال يوم القيامة.

١١٧ - ثم بين أن ما يحصل لهم من المنافع بالافتراء على الله ليس شيئًا مذكورًا إذا قيس بالمضارِّ التي تستجم منه فقال: {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} خبر مبتدأ محذوف؛ أي: منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعة قليلة، تنقطع عن قريب {وَلَهُم} في الآخرة {عَذَابٌ أَلِيمٌ} يردون إليه في الآخرة.

والمعنى: أي إنَّ المنافع التي قد تحصل لهم على ذلك في الدنيا لا يُعْتَدُّ بها في نظر العقلاء، إذا وزن بينها وبين المضار التي في الآخرة، فما متاع الدنيا


(١) المراغي.