للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

إهلاكهم، وألهَمَهُ الأمرَ الذي يكون به خلاصُه وخلاص من آمن معه فقال: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ}؛ أي: واعْمَلْ السفينة التي سننجيك ومن آمن معك فيها حالة كونك محفوظًا محروسًا {بِأَعْيُنِنَا}؛ أي: بحفظنا لك، وحراسَتنَا لك {و} معلمًا كيفيةَ صنعتها بـ {وحينا} وتعليمنَا لك؛ أي: إنَّنا حافظوك في كل آن، فلا يمنعك مِن حفظنا مانعٌ، وملهموك ومعلموك بوحينا كيف تصنعه، فلا يعرضَنَّ لك خَطَأٌ في صنعتها, ولا في وصفها، والظاهر: أنه أمر إيجاب لأنه لا سبيلَ إلى صون نفس وأرواح غيره من الهلاك إلا بهذَا الطريقِ، وصَوْنُ النفس من الهلاك واجبٌ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجبٌ, اهـ "كرخي".

والمراد بقوله (١): {بِأَعْيُنِنَا}؛ أي: بحِراسَتِنَا لك، وحفظِنَا لك، وعَبَّر عن ذلك بالأَعْيُن لأنها آلةُ الرؤية، والرؤية هي التي تكونُ بها الحراسةُ والحفظ في الغالب، وجَمَع الأعْيُنَ للتعظيم لا للتكثير، لئلا يناقض قولَه تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}، وقيل: المعنى: {بِأَعْيُنِنَا}؛ أي: بأعين ملائكتنا الذين جعَلْناهم عُيونًا على حفظك، وقيل: {بِأَعْيُنِنَا} بِعِلمنا، وقيل: بأمرنا، ومعنى بِوَحْيِنا؛ أي: بما أوْحَيْنا إليك من كيفية صنعتها.

{وَلَا تُخَاطِبْنِي}؛ أي: ولا تُراجعني {فِي} شيءٍ من أَمْر {الَّذِينَ ظَلَمُوا} أنفسَهم بالإشراك بدفع العذاب عنهم، وطلبِ الرحمة لهم، فقد حقَّتْ كلمة العذاب عليهم؛ أي: لا تطلب إمهالَهم فقد حان وَقْتُ الانتقام منهم، وجملةُ قوله: {إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} بالطوفان للتعليل؛ أي: لا تطلب منَّا إمهالَهم، فإنه محكوم منا عليهم بالإغراق، وقد مضى به القضاء، فلا سبيلَ إلى دَفْعِهِ، ولا إلى تأخيره، وقيل: المعنى: ولا تخاطبني في تعجيل عقابهم، فإنَّهم مغرقون في الوقتِ المضروب، لذلك لا يتأخر إغراقُهم عنه، وقيل: المراد بالذين ظلموا: امرأتُهُ وابنُه.

والخلاصة: لا تأخذنَّك بهم رأفةٌ ولا شفقةٌ، وقرأ (٢) طلحة بن مصرف: (بأعيُنَّا) مدغمةً

٣٨ - {و} شَرَعَ نوح عليه السلام {يصنع}، ويعمل {الْفُلْكَ} والسفينةُ


(١) الشوكاني.
(٢) البحر المحيط.