للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

بقية الدواهي، وتأخير جنايتهم هذه مع كونها أعظم من الكل؛ إذ هو تكذيب القيامة وإنكارها كفر، والأمور الثلاثة المتقدمة فسق لتفخيمها، وللترقّي من القبيح إلى الأقبح، كأنهم قالوا: وكنّا بعد ذلك كله مكذبين بيوم الدين، ولبيان كون تكذيبهم به مقارنًا لسائر جناياتهم المعدودة مستمرًّا إلى آخر عمرهم،

٤٧ - حسبما ينطق به قولهم: {حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) أي: الموت ومقدّماته، فإنه أمر متيقن لا شك في إتيانه، كما في قوله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)}. أو حتى علمنا صحة ذلك عيانًا بالرجوع إلى الله في الدار الآخرة.

فان قلت: أيريدون أن كل واحد منهم بمجموع هذه الأربع دخل النار أم دخلها بعضهم بهذه وبعضهم بهذه؟

قلت: يحتمل الأمران جميعًا كما في "الكشاف".

٤٨ - {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) أي: لا تنالهم شفاعة الملائكة والأنبياء والصالحين كما تنفع المؤمنين؛ أي: لو قدّر اجتماعهم على شفاعتهم على سبيل فرض المحال لا تنفعهم تلك الشفاعة، فليس المراد أنّهم يشفعون لهم فلا تنفعهم شفاعتهم؛ إذ الشفاعة يوم القيامة موقوفة على الإذن، وقابليّة المحل، فلو وقعت من المأذون للقابل قبلت، والكافر ليس بقابل لها، فلا إذن في الشفاعة له فلا شفاعة، ولا نفع في الحقيقة. وفيه دليل على صحة الشفاعة ونفعها يومئذٍ لعصاة المؤمنين، وإلا لما كان لتخصيصهم بعدم منفعة الشفاعة وجه. قال ابن مسعود رضي الله عنه: تشفع الملائكة والنبيّون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين فلا يبقى في النار إلا أربعة ثم تلا قوله تعالى: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)} إلى قوله: {بِيَوْمِ الدِّينِ}.

٤٩ - {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) أي: فأيّ شي حصل لهم معرضين عن القرآن. والفاء لترتيب إنكار إعراضهم عن القرآن بغير سبب على ما قبلها من موجبات الإقبال عليه والاتعاظ به من سوء حال المكذبين. و {مُعْرِضِينَ} حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور الواقع خبرًا لـ {ما} الاستفهامية، و {عَنِ} متعلّقة به؛ أي: فإذا كان حال المكذبين به على ما ذكر فأيّ شيء حصل لهم معرضين عن القرآن مع تعاضد موجبات الإقبال عليه، وتأكد الدواعي للإيمان به.

والمعنى: أي أيّ شيء حصل لأهل مكة حال كونهم معرضين عن القرآن