للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

من حال إلى حال أخرى أحسن من الأولى، كما ينقلب النحاس بالإكسير فضةً أو ذهبًا.

ودلّت الآية أيضًا (١): على أنه ليس من الحكمة أن يقطع لسان الخلق بعضهم عن بعض، ألا ترى أنه تعالى لم يقطع لسان الخلق عن ذاته الكريمة، حتى قالوا في حقه تعالى: إن له صاحبةً وولدًا ونحو ذلك، فكيف غيره تعالى من الأنبياء والمرسلين والعلماء والمقرّبين، فالنار لا ترتفع من الدنيا إلا يوم القيامة، وإنما يرتفع الاحتراق بها، كما وقع لإبراهيم عليه السلام وغيره من الخواض، فكل البلايا كالنار، فبطون العلماء والأولياء وقلوب الصديقين في سلامة من الاحتراق بها، فإنه لا يجري إلا ما قضاه الله تعالى، ومن آمن بقضاء الله .. سَلِمَ من الاعتراض والانقباض، وهكذا شأن الكبار، نسأل الله الغفَّار السلامة من عذاب النار.

٤٤ - ثمَّ أجاب عن شبهةٍ قالوها: وهي هلا نزل القرآن بلغة العجم، فقال: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ}؛ أي: ولو جعلنا هذا الذكر والقرآن الذي تقرؤهُ على الناس {قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا}؛ أي: قرآنا منتظمًا على لغة العجم مؤلفًا عليها. والأعجمي في الأصل يقال لذات من لا يفصح عن مراده بلغة لسانه، وان كان من العرب، ولكلامه الملتبس الذي لا يوضّح المعنى المقصود، أطلق ما هنا على كلام مؤلّف على لغة العجم بطريق الاستعارة، تشبيهًا له بكلام من لا يفصح، من حيث إنه لا يفهم معناه بالنسبة إلى العرب، وهذا جواب لقول قريش تعنّتًا: هلّا أنزل القران بلغة العجم .. {لَقَالُوا}: جواب {لو} الشرطية؛ أي: لقال كفار قريش: {لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ}؛ أي: هلّا بيّنت آياته، وفصلت دلائله بلسان نفقهه من غير ترجمان عجمي، وهو من كان منسوبًا إلى أمة العجم فصيحًا كان أو غير فصيح، و {لَوْلَا} هنا: حرف تحضيض بمعنى: هلّا، وحرف التحضيض إذا دخل على الماضي .. كان معناه: اللوم والتوبيخ على ترك الفعل، فهو في الماضي بمعنى الإنكار.

والاستفهام في قوله: {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} للإنكار، وهو من جملة كلام المشركين، مقرر للإنكار المفهوم من التحضيض، والأعجمي: كلام لا يفهم معناه،


(١) روح البيان.