للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وأن يعيّن لهم مجلسًا، وللسادة مجلسًا آخر، حتى لا يؤذوهم بمناظرهم وروائحهم المستقذرة، وحتّى لا يقال: إنّ السّادة ومواليهم يجتمعون في صعيد واحد، ويتحدثون وإياهم حديث الند للند، وفي ذلك امتهان لكبريائهم، وخفض من عزتهم .. أردف ذلك بمثل يستبين منه أن المال لا ينبغي أن يكون موضع فخار؛ لأنه ظل زائل، وأنه كثيرًا ما يصير الفقير غنيًا، والغني فقيرًا، وإنّما الذي يجب أن يكون أساس التفاخر وعمدة التفاضل، هو: طاعة الله وعبادته، والعمل على ما يرضيه في دار الكرامة، حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

قوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ ...} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لمّا (١) أبان أن الدنيا ظل زائل، وأنه لا ينبغي أن يغترّ أحد بزخرفها ونعيمها، بل يجب أن يكون موضع التفاخر العمل الصالح الذي فيه رضا الله، وانتظار مثوبته في جنات تجري من تحتها الأنهار .. أردف ذلك بذكر أحوال يوم القيامة، وما يكون فيها من أخطار وأهوال، وأنه لا ينجي منها إلّا اتباع ما أمر به الدين، وترك ما نهى عنه مما جاء على لسان الأنبياء والمرسلين، لا الأموال التي يفتخر بها المشركون على المؤمنين.

التفسير وأوجه القراءة

٣٢ - قوله: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ} هذا المثل ضربه الله تعالى لمن يتعزز ويفتخر بالدنيا، ويستنكف عن مجالسة الفقراء، فهو على هذا متّصل بقوله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ} {وَاضْرِبْ} هنا بمعنى اجعل، يتعدى إلى مفعولين {لَهُمْ} متعلّق به {مَثَلًا} مفعول ثان، {رَجُلَيْنِ} مفعول أول، أي واجعل يا محمد رجلين موصوفين بالصفات الآتية، {مَثَلًا} وشبها لهؤلاء المشركين بالله الذين سألوك أن تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ، وللمؤمنين المكابدين لمشاق الفقر؛ أي: مثل حال هؤلاء الكافرين والمؤمنين بحال (٢) رجلين شريكين في بني إسرائيل، أحدهما


(١) المراغي.
(٢) المراح.