للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الحقوق، لا يظلمون الناسَ شيئًا، والمعنى: أنه لا يهلكهم بمجرد الشرك وحده، حتى ينضم إليه الفساد في الأرض كما أهلكَ قوم شعيب بنقص المكيال والميزان, وبخس الناس أشياءهم، وأهلك قَوْم لوط بسبب ارتكابهم للفاحشة الشنعاء، وإنما لم يهلكهم بشركهم؛ لأن مكافَأَةَ الشرك النار لا ما دونَها.

قال بعضهم: الملك يبقى مع الشرك، ولا يبقَى مع الظلم. وقيل: المعنى: وما كان ليهلكهم بِذُنُوبِهم، وهم مصلحون؛ أي: مخلصون في الإيمان.

وحاصل معنى الآية: أي (١) أنه تعالى ليس من سنته أن يهلك القرى بشرك أهلها ما داموا مصلحينَ في أعمالهم الاجتماعية، والعمرانية، والمدنية، فلا يبخسون النَّاسَ حقوقهم، كما فعل قوم شعيب، ولا يَبْطِشُون بالناس بطشَ الجبارين، كقوم هود، ولا يذلون لمتكبر جبار، كقوم فرعون؛ ولا يرتكبون الفواحشَ، ويقطعونَ السبيلَ، ويأتون في ناديهم المنكرَ، كقوم لوط بل لا بد أن يضموا إلى الشرك الإفسادَ في الأعمال؛ والأحكام، ويفعلوا الظلمَ المدمر للعمران، ومن ثمَّ قالوا: الأمم تبقَى مع الكفر, ولا تبقَى مع الظلم والجَور. ويؤيد هذا ما أخرجه الطبراني، والديلميُّ، وابن مردويه عن جرير بن عبد الله قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُسأَل عن تفسير هذه الآية فقال: "وأهلها ينصف بعضهم بَعْضًا".

١١٨ - {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ} يا محمَّد، جعلَ الناس أمةً واحدةً {لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً}؛ أي: أهل (٢) دين واحد، إما أهلَ ضلالة، أو أهل هُدًى. وقيل معناه: جَعَلَهم مجتمعينَ على الحق، غير مختلفينَ فيه، أو مجتمعينَ على دينِ الإسلام دونَ سائِر الأديان، بحيث لا يكاد يختلف فيه أحد كما كانوا قبل الاختلاف. قال تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا} ولكنه لم يَشَأْ ذَلِكَ.

أي: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ} أيها الرسول (٣) الكريم الشديد الحرص على إيمان


(١) المراغي.
(٢) الشوكاني.
(٣) المراغي.