للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

بالنصب على الاشتغال؛ أي: وأحصينا كل شيء أحصيناه، وهو الراجح (١) لتقدم جملة فعلية، ولا يضره كون هذه الجملة معترضة كما سيجيء؛ لاعتراضها بين السبب والمسبب، أو لأن المقصود المهم هنا الإخبار عن الإحصاء، لا الإخبار عن كل شيء، وقرأ أبو السمال برفعه على الابتداء، وما بعده خبره، وانتصاب {كِتَابًا} على المصدرية؛ لأنه مصدر مؤكد لـ {أَحْصَيْنَاهُ} من غير لفظه لما أن الإحصاء والكتابة من واد واحد؛ أي: يشتركان في معنى الضبط، فكأنه قال: وكل شيء أحصيناه إحصاءً مساويًا في القوة والثبات بالعلم المقيد بالكتابة، أو كتبناه كتابًا، وأثبتناه إثباتًا. ويجوز أن يكون من الاحتباك، حذف فعل الثاني بقرينة الأول، ومصدر الأول بقرينة الثاني؛ أي: أحصيناه إحصاءً، وكتبناه كتابًا، ويجوز نصبه على الحال؛ أي: أحصينا كل شيء حال كونه مكتوبًا في اللوح المحفوظ، أو في صحف الحفظة، وقيل: المراد به: العلم؛ لأن ما كتب كان أبعد من النسيان، والأول أولى لقوله: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}، والجملة معترضة كما مر آنفًا، اعترض بها لتوكيد كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات، بأنهما محفوظان للمجازاة.

والمعنى (٢): أي إنا علمنا جميع ما عملوا علمًا ثابتًا، لا يعتريه تغيير ولا تحريف، فلا يمكنهم أن يجحدوا شيئًا مما كانوا يصنعون في الحياة الدنيا حين يرون ما أعد لهم من أنواع العقوبات لأنا قد أحصينا ما فعلوه إحصاءً لا يزول منه شيء، ولا يغيب، وإن غاب عن أذهانهم ونسوه، كما قال تعالى: {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ}.

وإنما قيل: {كِتَابًا} دون أن يقال إحصاءً؛ لأن الكتابة هي السماوية في قوة العلم بالشيء، فإن من يريد أن يحيى كلام متكلم، حتى لا يغيب منه شيء .. عمد إلى كتابته، فكأنه تعالى يقول: وكل شيء أحصيناه إحصاءً يساوي في ثباته وضبطه ما يكتب.

٣٠ - وبعد أن بين قبائح أفعالهم لكفرهم بالحساب، وتكذيبهم بالآيات .. رتب عليه هذا الجزاء، فقال: {فَذُوقُوا} ما أنتم فيه من العذاب الأليم {فَلَنْ نَزِيدَكُمْ} فوق عذابكم {إِلَّا عَذَابًا} من جنسه، كما قال: {وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)} ذاك أن


(١) روح البيان.
(٢) المراغي.