للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

أو الكواكب السيارة، أو غيرها من الأحياء كالملائكة والجن {مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ}؛ أي: من ينشىء المخلوقات من العدم {ثُمَّ يُعِيدُهُ} في القيامة للجزاء؛ أي: من له التصرف في هذا الكون ببدء الخلق في طور، ثم إعادته في طور آخر. وفي هذا سؤالان: سؤال عن البدء، وسؤال عن الإعادة.

ولما كانوا لا يجيبون عن هذا السؤال، كما أجابوا عن الأسئلة الأولى، لإنكارهم للبعث والمعاد، لقن الله سبحانه وتعالى رسوله الجواب، فقال: {قُلِ} لهم، يا محمَّد، في الجواب {اللَّهُ} سبحانه وتعالى هو الذي {يَبْدَأُ الْخَلْقَ}؛ أي: ينشىء المخلوقات من العدم {ثُمَّ يُعِيدُهُ} يوم القيامة للمجازاة، لا جواب غيره، إذ القادر على بدء الخلق يكون قادرًا على إعادته بالأولى، وهم ينكرون إعادة الأحياء الحيوانية، دون الأحياء النباتية، إذ هم يشاهدون بدء خلق النبات في الأرض حين ما يصيبها ماء المطر في فصل الشتاء وموته بجفافه في فصل الصيف والخريف، ثم إعادته بمثل ما بدأه مرة بعد أخرى، ويقرون بأن الله تعالى هو الذي يفعل البدء والإعادة؛ لأنهم يشاهدون كلًّا منهما، وهم لا يسلمون إلا بما يرون بأعينهم، أو يلمسونه بأيديهم. وقد أمر الله رسوله، - صلى الله عليه وسلم -، أن يرشدهم إلى جهلهم وينبههم للتفكير في أمرهم فقال: {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} والاستفهام فيه تعجبي؛ أي: فكيف تصرفون من الحق، الذي لا محيد عنه، وهو التوحيد إلى الضلال البين، وهو الإشرك وعبادة الأصنام، وذلك من دواعي الفطرة، وخاصة العقل حين تفكيره في المصير،

٣٥ - ثم جاء باحتجاج آخر على ما ذكره، إلزامًا لهم عقب الإلزام الأول، فسألهم عن شأن من شؤون الربوبية المقتضى لاستحقاق الألوهية، وتوحيد العبادة الاعتقادية والعملية فقال: {قُلْ} لهم، يا محمَّد، {هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ}؛ أي: هل من هؤلاء الشركاء الذين عبدتموهم من دون الله من يهدي ويرشد غيره إلى الحق والصواب، مما فيه صلاحكم في الدين والدنيا، بوجه من وجوه الهداية، التي بها تتم حكمة الخلق، كما يدل على ذلك قوله: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} إذ أدنى مراتب المعبودية، هداية المعبود لعابديه إلى الحق.

والهداية لها أنواع:

١ - هداية الغريزة والفطرة التي أودعها الله في الإنسان والحيوان.