للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

والأعقاب جمع عقب، وهو مؤخر الرجل، والنكوص الرجوع القهقرى؛ أي: معرضون عن سماعها أشد الإعراض فضلًا عن تصديقها والعمل بها.

والمعنى: أي (١) دعوا الصراخ، فإنه لا يمنعكم منا، واتركوا النصير، فإنه لا ينفعكم عندنا، فقد ركبتم شططًا، وجاءتكم الآيات والنذر، فأعرضتم عن سماعها فضلًا عن تصديقها، والعمل بها، وكنتم كمن ينكص على عقبيه موليًّا القهقرى نافرًا مما يسمع ويرى. وعلى أعقابكم متعلق بـ {تَنْكِصُونَ}، وهو استعارة عن الإعراض عن الحق، كما سيأتي.

وقرأ علي بن أبي طالب {عَلَى أَدْبَارِهِمْ} بدل {عَلَى أَعْقَابِكُمْ} وقرأ تنكُصون بضم الكاف.

٦٧ - وقوله: {مُسْتَكْبِرِينَ} حال من فاعل {تَنْكِصُونَ}، والضمير (٢) في {بِه} راجع إلى البيت العتيق. وقيل: للحرم، والذي سوغ الإضمار قبل الذكر اشتهارهم بالاستكبار به وافتخارهم بولايته، والقيام به، وكانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد؛ لأنا أهل الحرم وخدامه. وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين. والمعنى عليه: فكنتم ترجعون عن آياتي على أدباركم حالة كونكم متعظمين بالبيت، ومفتخرين بالحرم وخدمته.

وقيل: الضمير عائد إلى الآيات، بمعنى الكتاب، وضمن الاستكبار معنى التكذيب، فعداه بالباء. والمعنى: فكنتم تنكصون عنها على أعقابكم، حالة كونكم مكذبين بكتابي، ومستكبرين عن الإيمان به. والمعنى: أن سماعه يحدث لهم كبرًا وطغيانًا فلا يؤمنون به.

قال ابن عطية: وهذا قول جيد، وقال النحاس: القول الأول أولى، وبينه بما ذكرنا، فعلى القول الأول: يكون (به) متعلقًا بمستكبرين. وعلى الثاني: يكون متعلقًا بـ {سَامِرًا}؛ لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن، والطعن فيه، وتسميته سحرًا وشعرًا وهو اسم جمع كالحاضر


(١) المراغي.
(٢) الشوكاني.