للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

قال ابن عطية (١): وفي قراءة أبيّ بن كعب {أنلزمكموها من شطر أنفسنا} ومعناه: مِن تلقاء أنفسنا، ورُوي عن ابن عباس: أنه قرأ ذلك {من شطر قلوبنا} انتهى، ومعنى شطر نحو، وهذا على جهة التفسير لا على أنه قرآن، لمخالفته سوادَ المصحف.

وفي هذه الآية (٢) إثباتٌ لنبوته عليه السلام، وردٌّ لإنكارهم لها، وتكذيبِه ومن معه فيها، وإبطالُ لشبهتهم في أنه بشرٌ مثلهم، وقد فاتهم أنَّ المساواة في البشرية لا تقتضي استواءَ أفرادِ الجنس في الكمالات، والفضائل، فالمشاهدَةُ والتجاربُ، تدل على التفاوت العظيم بين أفراد البشر في العقل والفكر والرَّأي، والأخلاق والأعمال حتى إنّ الواحِدَ منهم ليأتي بضروب من الإصلاح لقومه بالعلم والعمل، يَعْجزُ عن مثلها الأُلُوفُ من الناس في أَجْيالٍ كثيرة:

وَالنَّاسُ أَلْفٌ مِنْهُمُ كَوَاحِدِ ... وَوَاحِدٌ كَالأَلْفِ إِنْ أمْرٌ عَرَا

فما بَالُكَ بِمَنْ يَخْتَصُّهم الله تعالى من عباده بما شاء مما لا كسب لهم فيه، كالأنبياء والرسل الكرام،

٢٩ - وقال نُوحٌ أيضًا {وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا}؛ أي: لا أطْلُب مِنكم مالًا، وجُعْلًا على تبليغي دَعْوةَ الرِّسالةِ، وعلى نصيحتي لكم، ودعوتي إياكم إلى توحيد الله، وإلى إخلاص العبادة له، فأكُونُ مُتَّهَمًا فيه عندكم، لمكانة حبِّ المال من أنفسكم، واعتزازكم به عليَّ، وعلى الفقراء من أتباعي، وما أريد بذلك إلا خَيْرَكم، ومصلحتكم، {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ}؛ أي: فما أَجْرِي على ذلك إلَّا على الله، الذي أرْسَلَنِي، فهو الذي يجازيني، ويثيبُني عليه، وإن ظننتم أنّي إنما اشتغلت بهذا التبليغ لأجل أخذ أموالكم، فهذا الظنُّ منكم خَطأٌ، وإنما أسْعَى في طلب الدين، لا في طلب الدنيا، وهذا يوجب فضلي عليكم، فلا تحرموا أنفسكم من سعادة الدين بسبب هذا الظن الفاسد.

ومثْل هذه المقالة قد صدَرَتْ من جميع الأنبياء بعده، فجَاءت على لسان هُود، وصالح، وشعيب، ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، كما ترى ذلك في


(١) البحر المحيط.
(٢) المراغي.