للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وأورثكم ما بأيديهم من متاع الدنيا لتشكروه بالتوحيد والطاعة، ومن خلافتهم أن الله تعالى استخلفهم في خلق كثير من الأشياء كالخبز، فإنه تعالى يخلق الحنطة بالاستقلال، والإنسان بخلافته يطحنها ويخبزها، وكالثوب فإنه تعالى يخلق القطن والإنسان بخلافته، يغزله وينسج منه الثوب، وهلمّ جرًا؛ أي (١): هو الذي ألقى إليكم مقاليد التصرّف، والانتفاع بما في الأرض لتشكروه بالتوحيد والطاعة. {فَمَنْ كَفَرَ} منكم نعمة الخلافة بأن يخالف أمر مستخلفه، ولا ينقاد لأحكامه ويتّبع هواه {فَعَلَيْهِ} لا على غيره {كُفْرُهُ}؛ أي: وبال كفره، وجزاؤه: هو الطرد واللعن والنار، لا يتعدّاه إلى غيره {وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا}؛ أي: إلا بغضًا وغضبًا؛ أي: كلما استمروا في كفرهم أبغضهم ربهم وغضب عليهم {وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا}؛ أي: نقصًا وهلاكًا؛ أي: وكلما اطمأنّوا إلى كفرهم خسروا أنفسهم يوم القيامة، وحق عليهم هو العذاب، والمعنى. أن الكفر لا ينفع عند الله تعالى؛ حيث لا يزيدهم إلا المقت، ولا ينفعهم في أنفسهم حيث لا يزيدهم إلا الخسار. والتكرير (٢): للتنبيه إلى اقتضاء الكفر لكل من الأمرين القبييحن: البغض، والخسران على سبيل الاستقلال والأصالة، والتنكير للتعظيم؛ أي: مقتًا عظيمًا ليس وراءه خزي وصغار، وخسارًا عظيمًا ليس بعده شرٌّ وتبارٌّ،

٤٠ - ثم أمره سبحانه أن يوبِّخهم ويبكّتهم فقال: {قُلْ} يا محمد تبكيتًا لهم: {أَرَأَيْتُمْ}؛ أي: أخبروني {شُرَكَاءَكُمُ}؛ أي: عن آلهتكم وأصنامكم، والإضافة إليهم؛ حيث لم يقل شركائي؛ لأنهم جعلوهم شركاء الله، وزعموا ذلك من غير أن يكون له أصل ما أصلًا، {الَّذِينَ تَدْعُونَ}؛ أي: تعبدون، {مِنْ دُونِ اللَّهِ}؛ أي: حال كونكم متجاوزين دعاء الله وعبادته؛ أي (٣): أخبروني عن الشركاء الذين اتخذتموهم آلهةً وعبدتموهم من دون الله تعالى، وجملة {أَرُونِي} - أي: أخبروني {مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ}؛ أي: أيَّ جزءٍ من أجزاء الأرض استبدّوا بخلقه دون الله - بدل من {أَرَأَيْتُمْ} بدل اشتمال، والمعنى: أخبروني عن شركائكم، أروني أيَّ شيء خلقوا من الأرض، وإنما فسّرنا الرؤية بالإخبار؛ لأنّ الرؤية والعلم سبب الإخبار،


(١) المراغي.
(٢) روح البيان.
(٣) الشوكاني.