للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

٩٨ - {قَالَ} يعقوب لهم: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي}؛ أي: في مستقبل الزمان أطلب لكم من ربي مغفرة ذنوبكم، وعدهم بالاستغفار لهم في مستأنف الزمان، وعلل هذا بـ {إِنَّهُ} سبحانه وتعالى {هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}؛ أي: بأن ربه واسع المغفرة والرحمة لا ينقطع رجاء المؤمن فيها وإن ظلم وأساء. قال الزجاج (١): أراد يعقوب أن يستغفر لهم في وقت السحر؛ لأنه أخلق بإجابة الدعاء، لا أنه بخل عليهم بالاستغفار. وقيل: أخره إلى ليلة الجمعة، وقيل: أخره إلى أن يستحل لهم من يوسف، ولم يعلم أنه قد عفا عنهم. وجملة: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} تعليل لما قبله كما مر آنفًا.

وعن الشعبي (٢): {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} قال: أسأل يوسف، إن عفا عنكم أستغفر لكم ربي، فإن عفو المظلوم شرط المغفرة، فأخر الاستغفار إلى وقت الاجتماع بيوسف، فلما قدموا عليه في مصر قام إلى الصلاة في السحر ليلة الجمعة، وكانت ليلة عشوراء، فلما فرغ رفع يديه، وقال: اللهم اغفر جزعي على يوسف، وقلة صبري منه، واغفر لأولادي ما أتوا به أخاهم، وقام يوسف خلفه يؤمِّن، وقام إخوته خلفهما أذلة خاشعين، فأوحى الله تعالى إليه أن الله قد غفر لك ولهم أجمعين، ثم لم يزل يدعو لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة إلى أن حضرت الوفاة.

وقال في "روح البيان": سوف وعسى ولعل في وعد الأكابر والعظماء يدل على صدق الأمر وجده، ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت، وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم وترك استعجالهم، فعلى ذلك جرى وعد يعقوب كأنه قال: إني أستغفر لكم ربي لا محالة، وإن تأخر كما في "بحر العلوم".

فائدة: والفارق بين جواب يعقوب وجواب يوسف من وجوه كثيرة اقتضتها الحكمة:

١ - أن حال أبيهم معهم حال المربي المرشد للمذنب، لا حال المنتقم


(١) الشوكاني.
(٢) روح البيان.