للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

والنقصان ونحوها، وأما الكتب المتقدمة فلما لم يتول حفظها، واستحفظها الناس، أعني: الربانيين والأحبار .. تطرق إليهم الخلل، وفي هذا وعيد (١) شديد للمكذبين به، المستهزئين برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: الضمير في: {لَهُ} لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والأول أولى بالمقام.

والمعنى: أي إنما (٢) أنتم قوم ضالون مستهزئون بنبينا، وليس استهزاؤكم بضائره؛ لأنا نحن نزلنا القرآن ونحن حافظوه، فقولوا أنتم إنه مجنون، ونحن نقول إنا نحفظ الكتاب الذي أنزلناه عليه من الزيادة والنقص والتغيير والتبديل والتحريف والمعارضة والإفساد والإبطال، وسيأتي في مستقبل الأزمان من يتولون حفظه والذب عنه، ويدعون الناس إليه، ويستخرجون لهم ما فيه من عبر وحكم وآداب وعلوم، تناسب ما تستخرجه العقول من المخترعات، وتستنبطه الأفكار من نظريات وآراء، فيستنير بها العارفون ويهتدي بهديها المفكرون، فلا تبتئس أيها الرسول بما يقولون وما يفعلون.

١٠ - ثم سلَّى رسوله - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من سفه قومه، وادعائهم جنونه، بأن هذا دأب الأمم المكذبة لرسلها من قبل، فلقد أصابهم مثل ما أصابك من قومك، فاستهزؤوا بهم كما استهزأ قومك بك، فنصرنا رسلنا وكبتنا أعداءهم، وسيكون أمرك وأمرهم كذلك، وإلى ذلك أشار بقوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا}؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أرسلنا رسلًا كائنة {مِنْ قَبْلِكَ} يا محمد، وحذف المفعول لدلالة الإرسال عليه {فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ}؛ أي: في شيع الأمم الأولين؛ أي: الأقدمين، وفرقهم وأحزابهم وطوائفهم، جمع شيعة: وهي الفرقة (٣) المتفقة على طريقة ومذهب، سموا بذلك لأن بعضهم يشايع بعضًا ويتابعه، من شايعه إذا تبعه، ومنه الشيعة: وهم الذين شايعوا عليًّا، وقالوا: إنه الإِمام بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عنه وعن أولاده، وإضافته إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى صفته عند الفراء، والأصل: في الشيع الأولين، ومن ثم حذف الموصوف


(١) المراغي.
(٢) روح البيان.
(٣) روح البيان.