للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

فَضْلِهِ} متعلق بـ {فَرِحِينَ} وقرأ ابن السميفع {فارحين} وهُما لغتان: كالفره، والفاره، والحذر، والحاذر. والمراد {بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ} ما ساقه الله إليهم من الكرامة بالشهادة، وما صاروا فيه من الحياة، وما يصل إليهم من رزق الله سبحانه وتعالى، والمعنى: مسرورين بما أعطاهم الله تعالى من قربه، ودخول جنته، ورزقهم فيها إلى سائر ما أكرمهم به. ولا تعارض (١) بين فرحين، وبين {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} في قصة قارون؛ لأن ذاك بالملاذ الدنيوية، وهذا بالملاذ الأخروية ولذلك جاء {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا}، وجاء {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}.

١٧١ - والمراد بفضل الله شرف الشهادة، والفوز بالحياة الأبدية، والزلفى من الله تعالى، والتمتع بالنعيم المخلد عاجلًا، والواو في قوله: {وَيَسْتَبْشِرُونَ} عاطفة على قوله: {يُرْزَقُونَ}؛ أي: يرزقون، ويستبشرون، ويسرون (بـ) ما تبين لهم من حسن حال إخوانهم المجاهدين {بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ} في القتل، والشهادة، ولم يقتلوا إذ ذاك وتركوهم {مِنْ خَلْفِهِمْ} ووراءهم في الدنيا، بل سيلحقون بهم من بعد؛ أي: إنهم بقوا في الدنيا بعدهم، وهم قد تقدموهم يعني من إخوانهم الذين تركوهم أحياءً في الدنيا على منهج الإيمان، والجهاد، فعلموا أنهم إذا استشهدوا لحقوا بهم، ونالوا من الكرامة مثلهم.

وقيل (٢): المراد بإخوانهم هنا جميع المسلمين الشهداء وغيرهم؛ لأنهم لما عاينوا ثواب الله، وحصل لهم اليقين بحقية دين الإِسلام؛ استبشروا بذلك لجميع أهل الإِسلام الذين هم أحياء لم يموتوا، وهذا أقوى؛ لأن معناه أوسع، وفائدته أكثر، واللفظ يحتمله، بل هو الظاهر، وبه قال الزجاج، وابن فورك.

وقوله (٣): {مِنْ خَلْفِهِمْ} إشارة إلى أنهم وراءهم، يقتفون أثرهم، ويحذون حذوهم قدمًا بقدمٍ، وفي ذكر حال الشهداء، واستبشارهم بمن خلفهم حث


(١) البحر المحيط.
(٢) الشوكاني.
(٣) المراغي.