للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

لاستتارهم عن العيون كالنساء، أو لدخول لفظ التأنيث في تسميتهم، {سُبْحَانَهُ}؛ أي: تنزيها له تعالى عن البنات والبنين، وعن كل ما لا يليق به من صفات الحدوث، نزه سبحانه نفسه عما نسبه إليه هؤلاء الجفاة الذين لا عقول لهم صحيحة، ولا أفهام مستقيمة، إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل، وفي هذا التنزيه تعجيب من حالهم، {و} يجعلون {لهم}؛ أي: لأنفسهم {مَا يَشْتَهُونَ}؛ أي: ما يحبونه؛ أي: ويختارون لأنفسهم الأولاد الذكور، على أنَّ {ما} في محل النصب بالفعل المقدر، ويجوز أن تكون في محل رفع بالابتداء، والظرف المقدم خبره، والجملة حالية، وأنكر النصب الزجاج، وأجازه الفراء.

والمعنى: أي (١) ولقد بلغ من جهل هؤلاء المشركين وعظيم أباطيلهم أنهم يجعلون لمن خلقهم، ودبر شؤونهم، واستحق شكرهم على جزيل نعمائه البنات، إذ قالت خزاعة: الملائكة بنات الله، كما قال عزَّ اسمه: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} وعبدوها مع الله، وقد أخطؤوا في ذلك خطأ كبيرًا، وضلوا ضلالًا بعيدًا، إذ نسبوا إليه الأولاد، ولا أولاد له، وأعطوه منها أخسها وهي البنات، وهم لا يرضونها لأنفسهم، بل لا يرضون إلا البنين، كما قال تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) وقال: {أألَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)}.

٥٨ - قال ابن عباس: يقول سبحانه: تجعلون لي البنات ترضونهن لي ولا ترضونهن لأنفسكم، ثم ذكر سبحانه كراهتهم للإناث التي جعلوها لله سبحانه فقال: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ}؛ أي: أحد هؤلاء الذين جعلوا لله البنات، {بِالْأُنْثَى}؛ أي: بولادة أنثى؛ أي: أُخبر بولادة أنثى له {ظَلَّ وَجْهُهُ}؛ أي: صار وجهه {مُسْوَدًّا}؛ أي: متغيِّر (٢) اللون بما يحصل له من الغم وانكسار القلب، وليس المراد السواد الذي هو ضد البياض، بل المراد الكناية بالسواد عن الانكسار


(١) المراغي.
(٢) الشوكاني.