للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الانبساط، ولا تَتَوسَّع في الإنفاق، فتصير نادمًا مغمومًا، وعاجزًا عن الإنفاق لا شيء عندك، فتكون كالدابة التي قد عجزت عن السير، فوقفت ضعفًا وعجزًا وإعياء.

٣٠ - ثم سلّى رسوله والمؤمنين بأن الذي يرهقهم من الإضافة ليس لهوانهم على الله تعالى، ولكن لمشيئة الخالق الرزاق فقال: {إِنَّ رَبَّكَ} أيها الرسول {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ} البسط عليه من عباده، ويوسّعه عليه وَيَقْدِرُ؛ أي: يضيّق على من يشاء التضييق عليه بحسب السنن التي وضعها لعباده في كسب المال، وحسن تصرفهم في جمعه بالوسائل والنظم التي وضعها في الكون؛ أي: يوسعه على بعض، ويضيّقه على بعض، لحكمةٍ بالغةٍ لا لكون من وسّع له رزقه مكرمًا عنده، ومن ضيّقه عليه مهانًا لديه.

فعلى العاقل (١): التسليم لأمر الله تعالى، والرضى بقضائه، والصّبر في موارد القبض، والشكر في مواقع البسط، والإنفاق مهما أمكن، ثمّ علّل ما ذكره من البسط للبعض، والتضييق على البعض بقوله: {إِنَّهُ} سبحانه وتعالى {كانَ بِعِبادِهِ}؛ أي: ببواطن عباده، {خَبِيرًا} وبظواهرهم {بَصِيرًا} فيعلم ما يسرّون وما يعلنون، لا يخفى عليه من ذلك خافيةٌ، فهو الخبير بأحوالهم، البصير بكيفية تدبيرهم، في أرزاقهم.

والمعنى: أنّ (٢) ربّك ذو خبرة بعباده فيعلم من الذي تصلحه السِّعة في الرزق، ومن الذي تفسده، ومن الذي يصلحه الإقتار والضّيق، ومن الذي يفسده، وهو البصير بتدبيرهم وسياستهم فعليك أن تعمل بما أمرك به، أو نهاك عنه من بسط يدك فيما تبسط فيه، وفيمن تبسطها له، وفي كفها عمن تكفها عنه، فهو أعلم بمصالح العباد منك، ومن جميع الخلق، وأبصرهم بتدبير شؤونهم.

وقصارى ذلك: أنكم إذا علمتم أنّ شأنه تعالى البسط والقبض، وأمعنتم النظر في ذلك وجدتم أنّ من سننه تعالى الاقتصاد، فاقتصدوا واستنوا بسننه.


(١) روح البيان.
(٢) المراغي.