للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقرأ الجحدري {لما خلقت} بفتح اللام وتشديد الميم، على أنها ظرف بمعنى: حين، كما قال أبو علي الفارسي، وقرأ: {بيدي} على الإفراد. وقرأ الجمهور (١): {بِيَدَيَّ} على التثنية، وقرأ {بيدى} كقراءة {بِمُصْرِخِيَّ}، وقال تعالى: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا}. وقرأ الجمهور: {أَسْتَكْبَرْتَ} بهمزة الاستفهام، فأم متصلة عادلت الهمزة، والاستفهام للتوبيخ والتقريع، وقرأ ابن كثير في رواية عنه، وأهل مكة بألف وصل، ويجوز أن يكون الاستفهام مرادًا، فيوافق القراءة الأولى. كما في قول الشاعر:

تَرُوْحُ مِنَ الْحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ

وقول الآخر:

بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الْجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِيَا

ويحتمل أن يكون إخبارًا محضًا، من غير إرادة للاستفهام، فتكون {أَمْ} منقطعة. والمعنى: استكبرت عن السجود الذي أمرت به، بل أ {كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ}.

٧٦ - وجملة قوله: {قالَ} إبليس إبداء للمانع: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ}؛ أي: أفضل من آدم، مستأنفة، واقعة في جواب سؤال مقدر، وفي ضمن كلامه هذا: أن سجود الفاضل للمفضول لا يحسن؛ أي: ولو كنت مساويًا له في الشرف، لكان يقبح أن أسجد له، فكيف وأنا خير منه؟.

ثم بيّن وجه الخيرية منه بقوله: {خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ} نسب خلقه إلى النار باعتبار الجزء الغالب، إذ الشيطان مخلوق من نار وهواء. {وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} نسب خلقه إلى الطين، باعتبار الجزء الغالب أيضًا، إذ آدم مخلوق من العناصر الأربعة.

والمعنى (٢): لو كان آدم مخلوقًا من نار، لما سجدت له؛ لأنه مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني؟؛ لأنه من طين، والنار تغلب الطين وتأكله، فلا


(١) البحر المحيط.
(٢) روح البيان.