للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

والتوبة عن المعاصي {أَوَّاهٌ}؛ أي: كثيرُ التضرع إلى الله عند وصول الشدائد إلى الغير {مُنِيبٌ}؛ أي: رجاع إلى الله في إزالة ذلك العذاب عنهم.

والمعنى: أنه جَادَلَ الملائكةَ في عذاب قوم لوط؛ لأنه كان حليمًا لا يعجل بالانتقام من المسيء، كثير التأوه مما يَسُوء الناسَ، ويؤلمهم يَرْجِع إلى الله في كل أموره؛ أي: كَانَ جداله بحلم وتأوه عليهم، فإنَّ الذي لا يتعجل في مكافأة من يؤذيه يتأوه أي: يقول أوه وآه، إذَا شاهدَ وصولَ الشدائد إلى الغير، وأنه مع ذلك راجعٌ إلى الله في جميع أحواله؛ أي: ما كان بعض أحواله مشوبًا بعلة راجعةٍ إلى حَظِّ نفسه، بل كان كُله لله، فتبيَّنَ أنَّ رقَّةَ القلب حَمَلَتْهُ على المجادلة فيهم، رَجَاءَ أن يرفع عنهم العذاب، ويمهلوا لعلَّهم يحدثون التوبةَ والإنابَةَ، كما حملته على الاستغفار لأَبِيهِ.

٧٦ - وقوله: {يَا إِبْرَاهِيمُ} على تقدير القول؛ أي: قالت الملائكة يا إبراهيم {أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} الجدال، والمحاورَة في شيء مفروغ منه، والأمر ما قضاه، وحكم به من عذابه الواقع بهم لا مَحالَةَ، ولا مردَّ له بجدال، ولا دعاءٍ، ولا غير ذلك {إنه}؛ أي: إنَّ الشَّأنَ {قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} وقدره بمقتضَى قضائِه الأزليِّ بعذابهم، وهو أَعْلَمُ بحالهم، والقضاء (١) هو الإرادة الأزلية، والعناية الإلَهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدرُ تعلق الإرادة بالأشياء في أوقاتها {وَإِنَّهُمْ}؛ أي: وإنَّ قوم لوط {آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ}؛ أي: غير مصروف عنهم، ولا مدفوع بجدال، ولا دعاءٍ، ولا غيرهما، وإنك مأجور مثاب فيما جادلتْنَا لنجاتهم، وهذا كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، يقول: "اشفعوا تؤجَروا, وليقضينَّ اللَّهُ على لسان رسوله ما شاء".

والمعنى (٢): يا إبراهيم أعرض عن الجدال في أمر قوم لوط، والاسترحام لهم، إنه قد نَفَذَ فيهم القضاء وحقت عليهم الكلمة بالهلاك وحلول البأس الذي


(١) روح البيان.
(٢) المراغي.