للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

ومن ثم حكم عليهم بالكذب حكمًا صريحًا فقال: {وَأُولَئِكَ} الموصفون بما ذكر من عدم الإيمان بآيات الله، وهم رجال قريش القائلون لك أيها الرسول إنما أنت مفتر {هُمُ الْكَاذِبُونَ} على الحقيقة، لا أنت، أو الكاملون في الكذب، إذ لا كذب أعظم من تكذيب آيته، والطعن فيها بأمثال هاتيك الأباطيل، فاللام للجنس والحقيقة، ويدَّعي قصر الجنس في المشار إليهم مبالغة في كمالهم في الكذب، وعدم الاعتداد بكذب غيرهم، وهذا تصريح بنسبة الكذب إليهم بعد التعريض، ليكون ميسم خزي وعارٍ لهم.

١٠٦ - {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ}؛ أي: من تلفظ بكلمة الكفر {مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ} به تعالى، كابن حنظلٍ وطعمة بن أبيرق وأمثالهما، فعليه غضب من الله، فمن موصولة مبتدأ وخبره محذوف لدلالة الخبر الآتي عليه، {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ} وأجبر على التلفظ بكلمة الكفر بأمر لا طاقة له به (١)، كالتخويف بالقتل والضرب الشديد، والإيلامات القوية، كالتحريق بالنار، مما يخاف منه على نفسه، أو على عضو من أعضائه فتلفظ بها {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}؛ أي: والحال أن قلبه مطمئن مليءٌ بالإيمان، لم تتغير عقيدته، فليس على هذا المكره غضب من الله، لأنه لم يكفر وفي هذا دليل على أن الإيمان المنجي المعتبر عند الله تعالى هو التصديق بالقلب.

فإن قلت: (٢) المكره على الكفر ليس بكافر، فلا يصح استثنائه من الكافر، فما معنى هذا الاستثناء في قوله: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ}؟

قلت: المكره لما ظهر منه بعد الإيمان ما شابه ما يظهر من الكافر طوعًا .. صح هذا الاستثناء لهذه المشابهة والمشاكلة. والله أعلم.

{وَلَكِنْ مَنْ} لم يك كذلك بل {شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا}؛ أي: انشرح به قلبًا، وطاب به نفسًا، واعتقده {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ} عظيم {مِنَ اللَّهِ} تعالى وعقوبة شديدة {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}؛ أي: عذاب شديد، والعذاب والعقاب الإيجاع الشديد،


(١) روح البيان.
(٢) الخازن.