للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

والخلاصة: أنهم نفوا أن يكون وحيًا من عند ربه، وجعلوه إما كلامًا مفترى جاء به لترويج دعوته، وإما سحرًا فعله ليخلب به العقل، ويصد الناس عن الدين الحق الذي ورثوه من الآباء والأجداد.

٤٤ - فرد الله سبحانه عليهم منكرًا دعواهم أن دينهم هو الدين الحق، بقوله: {وَمَا آتَيْنَاهُمْ}؛ أي: مشركي العرب. {مِنْ كُتُبٍ}؛ أي: كتبًا، فإن {مِنْ} الاستغراقية داخلة على المفعول للتأكيد؛ أي: وما أعطينا كفار مكة كتبًا دالةً على صحة الإشراك {يَدْرُسُونَهَا}؛ أي: يقرؤونها، كما في قوله تعالى: {أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وقوله: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)}، وفي إيراد الكتب بصيغة الجمع تنبيه على أنه لا بد لمثل تلك من نظائر الأدلة. والدرس: قراءة الكتاب مع التدبر فيه، كما سيأتي في مبحث اللغة، وقرأ الجمهور: {يدرسونها} مضارع درس الثلاثي من باب نصر، وقرأ أبو حيوة: بفتح الدال وشدها وكسر الراء مضارع ادرس افتعل من الدرس، ومعناه: يتدارسونها، وعن أبي حيوة أيضًا: يدرسونها من التدريس، وهو تكرير الدرس، ذكره أبو حيان. {وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ}؛ أي: إلى مشركي مكة {قَبْلَكَ} يا محمد {مِنْ نَذِيرٍ}؛ أي: رسول يدعوهم إلى الإشراك، وينذرهم بالعقاب إن لم يشركوا.

وإذا انتفت الكتب الدالة على الإشراك (١)، والرسول الجائي به، فمن أين لهم هذه الشبهة، وهذا في غاية تجهيلهم وتسفيه رأيهم، اهـ "بيضاوي". فالمنفي إنما هو وصف الكتب المذكورة، ووصف النذير المذكور لا أصل الكتب، ولا أصل إرسال الرسول.

وهناك تفسير آخر ذكره الشهاب حاصله (٢): أن المنفي أصل الكتب، وأصل إرسال الرسل، وذلك لأن العرب كانوا في فترة؛ إذ لم يبعث لهم نبي بعد إسماعيل، وقد انقضت رسالته بموته.

وحاصل المعنى على هذا: أنه لا عذر لهم في الشرك، ولا في عدم تصديقك، بخلاف أهل الكتاب، فإن لهم نوع عذر؛ لأن لهم دينًا وكتابًا، فيشق


(١) بيضاوي.
(٢) الشهاب.