للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

كل حين، لا أن لهم شكرًا قليلًا، كما يقال لجاحد النعمة: ما أقل شكره؛ أي: لا يشكر.

وفي "العيون": لم تشكروه لا قليلًا ولا كثيرًا. وذلك لأن القلة ربما تستعمل في العدم، وهو موافق لحال الكفار، وشكر هذه النعم استعمالها في طاعة المنعم وعبوديته، فشكر السمع حفظه عن استماع المنهيات، وأن لا يسمع إلا لله، وبالله، وعن الله. وشكر البصر حفظه عن النظر إلى المحرمات، وأن ينظر بنظر العبرة لله، وبالله، وإلى الله، وشكر القلب تصفيته عن ريب الأخلاق الذميمة، وقطع تعلقه عن الكونين، فلا يشهد غير الله، ولا يحب إلا لله.

٧٩ - {وَهُوَ} سبحانه الإله {الَّذِي ذَرَأَكُمْ}؛ أي: خلقكم وبثكم {فِي الْأَرْضِ} بالتناسل فيها. يقال: ذرأ الله الخلق؛ أي: أوجد أشخاصهم. {وَإِلَيْهِ} تعالى لا إلى غيره؛ أي: إلى حكمه وقضائه وجزائه {تُحْشَرُونَ}؛ أي: تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم، فما لكم لا تؤمنون به، ولا تشكرون له.

والمعنى: أي (١) وهو سبحانه الإله الذي خلقكم في الأرض، وبثكم فيها، على اختلاف أجناسكم ولغاتكم، ثم يجمعكم لميقات يوم معلوم في دار لا حاكم فيها سواه.

٨٠ - {وَهُوَ} سبحانه الإله {الَّذِي يُحْيِي}؛ أي: يعطي الحياة النطف والتراب والبيض والموتى يوم القيامة. {وَيُمِيتُ}؛ أي: يأخذ الحياة من الأحياء من غير أن يشاركه في ذلك أحد. ولم يقل (٢): أحيا وأمات بصيغة الماضي، كما قال: أنشاكم وذرأكم، ولكن جاء على لفظ المضارع ليدل على أن الإحياء والإماتة سنته؛ أي: وهو الذي جعل الخلق أحياء بنفخ الروح فيهم، بعد أن لم يكونوا شيئًا، ثم يميتهم بعد أن أحياهم، ثم يعيدهم تارة أخرى للثواب والعقاب. {وَلَهُ} سبحانه خاصة {اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} خلقًا وإيجادًا ازديادًا وانتقاصًا، أو مجيئًا وذهابًا، وهو المؤثر في تعاقبهما لا الشمس.

قال الفراء: هو الذي جعلهما مختلفين يتعاقبان، ويختلفان في السواد


(١) المراغي.
(٢) روح البيان.