للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

ربك في جانب الأشقياء، يرجع إلى الزفير والشهيق، وتقريره: أن يفيدَ حصول الزفير والشهيق مع خلود؛ لأنه إذا دَخَل الاستثناء عليه، وجب أن يحصلَ فيه هذا المجموع، والاستثناء في جانب السعداء يكون بمعنى الزيادة يعني إلا ما شاء ربك من الزيادة لهم من النعيم بعد الخلود. وقيل: إن الاستثناء الأول في جانب الأشقياء، معناه إلا ما شاء ربك من أن يخرجهم من حر النار إلى البرد والزمهرير، وفي جانب السعداء معناه إلا ما شاء ربك أن يرفَعَ بعضَهم إلى منازلِ أعلَى منازلِ الجنان، ودرجاتها. والقول الثاني هو المختار.

١٠٨ - {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا} قرأ ابن (١) مسعود، وطلحة بن مصرف، وابن وثاب، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وحفص: {سُعدوا} بضم السين وباقي السبعة، والجمهور بفتحها. فالضم من قولهم: سعده الله أي: أسعده فهو حينئذ متعدّ، والفتح من قولهم: سعد الرجل بمعنى قامت به السعادة، فهو حينئذ لازم.

والمعنى (٢): إنَّ الذينَ سبقت لهم السعادة من الله بموتهم على الإيمانِ، وإن سبقَ منهم الكفر في الدنيا، والمراد بالسعادة رضا الله تعالى عن العبدِ.

وعلامة ذلك أن يكون العبد محبًّا لربه ساعيًا في مرضاته دائمَ الإقبال على طاعته راضيًا بأحكامه. {فَفِي الْجَنَّةِ}؛ أي: فمستقرون في الجنة حالةَ كونهم {خَالِدِينَ فِيهَا}؛ أي: ماكثينَ في الجنة مكث خلود {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ}؛ أي: مدة دوام السموات التي تظلهم والأرض التي تقلهم يعني سموات الجنة وأرضها {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} من مقدار موقفهم للحساب، أو مفارقتهم للجنة أيَّامَ عذابهم، فإن التأبِيدَ من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداءِ، كما ينتقض باعتبار الانتهاء، أو المعنى خالدِينَ فيها مدةَ دوام السموات والأرض في الدنيا.

والمعنى: قدر مكث السموات والأرض من أول الدنيا إلى آخرها. {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ}؛ أي: غير ما شاء ربك من الزيادة التي لا منتهى لَها، فالمعنى خالدينَ


(١) البحر المحيط.
(٢) الصاوي.