للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

حكمك، وقيل: جاء (١) أولياء المنافق الذي قتله عمر، يطلبون عمر بدمه، وقد أهدره الله تعالى، يحلفون بالله كذبًا للاعتذار قائلين ما أراد صاحبنا المقتول بالتحاكم إلى عمر إلا أن يصلح، ويجعل الاتفاق بينه وبين خصمه، ويأمر كل واحد من الخصمين بتقريب مراده إلى مراد صاحبه، حتى يحصل بينهما الموافقة، وما خطر ببالنا أنه يقتل صاحبنا، وأنت يا رسول الله لا تحكم إلا الحق المر، ولا يقدر أحد على رفع الصوت عندك، وفي الآية وعيد شديد لهم على ما فعلوا، وأنهم سيندمون حين لا ينفعهم الندم، ويعتذرون حين لا يقبل منهم الاعتذار.

٦٣ - {أُولَئِكَ} المنافقون الموصوفون بالصفات السابقة، هم {الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من النفاق والغيظ والعداوة، وهذا الكلام من الأسلوب الذي يستعمل فيما يعظم من خير أو شر، مسرة أو حزن، فيقول الرجل لمن يحبه، ويحفظ وده: الله يعلم ما في نفسي لك؛ أي: إنه لكثرته وقوته لا يقدر على معرفته إلا الله تعالى، ويقول في العدو الماكر المخادع: الله يعلم ما في قلبه؛ أي: إن ما في قلبه من الخبث والخديعة بلغ حدًّا كبيرًا لا يعلمه إلا علام الغيوب.

فالمعنى هنا: إنَّ ما في قلوبهم من الكفر والحقد والكيد، وتربص الدوائر بالمؤمنين، بلغ من الفظاعة مقدارًا لا يحيط به إلا من يعلم السر وأخفى، {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} ولا تُقبل (٢) عليهم بالبشاشة والتكريم؛ إذ هذا يحدث في نفوسهم الهواجس والخوف من سوء العاقبة، وهم لم يكونوا على يقين من أسباب كفرهم ونفاقهم، وكانوا يحذرون أن تنزل عليه سورة تنبئهم بما في قلوبهم، وإذا استمر هذا الإعراض عنهم .. ظنوا الظنون، وقالوا: لعله عرف ما في نفوسنا، لعله يريد أن يؤاخذنا بما في بواطننا، وقيل (٣): معنى {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ}؛ أي: لا تقبل منهم ذلك العذر والحلف، ولا تظهر لهم أنك عالم بكنه ما في بواطنهم، فإن من هتك ستر عدوه .. فربما يجرئه ذلك على أن لا يبالي بإظهار العداوة،


(١) المراح.
(٢) المراغي.
(٣) المراح.