للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

ولكن تبقى حقوق العباد، فلمن سلبهم التائب أموالهم أيام إفساده أن يطالبوه بها، ولمن قتل منهم أحدًا أن يطالبوه بدمه، وهم مخيرون بين القصاص والديه والعفو، فقد ثبت عن الصحابة إسقاط الحد عمن تاب، ولم يثبت أن أحدًا تقاص التائب حقًّا ولم يسمع له الحاكم.

وإذًا فتوبته لا تصح إلا إذا أعاد الأموال المسلوبة إلى أربابها، فإذا رأى ولي الأمر إسقاط حق مالي عن المفسد مراعاة للمصلحة العامة .. وجب أن يضمنه من بيت المال "وزارة المالية".

والخلاصة: أن هاتين الآيتين تضمنتا عقاب المحاربين المفسدين في الأرض، الذين يعملون أعمالًا مخلة بالأمن على الأنفس، والأموال، والأعراض في بلاد الإِسلام، معتصمين في ذلك بقوتهم، مع عدم الإذعان لأحكام الشريعة باختيارهم، وهو أن يطاردهم الحكام ويتبعوهم حتى إذا قدروا عليهم .. عاقبوهم بتلك العقوبات بعد تقدير كل مفسدة بقدرها، ومراعاة المصلحة العامة، ومن تاب قبل القدرة عليه .. لا يعاقب بما هنا من العقوبات حكمه حكم سائر المسلمين. والظاهر (١) من الاستثناء المذكور في الآية عدم الفرق بين الدماء والأموال، وبين غيرها من الذنوب الموجبة للعقوبات المعينة المحدودة، فلا يطالب التائب قبل القدرة بشيء من ذلك، وعليه عمل الصحابة، وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّه لا يسقط القصاص وسائر حقوق الآدميين بالتوبة قبل القدرة، والحق: هو القول الأولى، وأما التوبة بعد القدرة فلا تسقط بها العقوبة المذكورة في الآية كما يدل عليه قيد {قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ}

٣٥ - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} وصدقوا بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - {اتَّقُوا اللَّهَ}؛ أي: خافوا عقاب الله وسخطه بترك المنهيات {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}؛ أي: واطلبوا الوسيلة، والقرب إليه، واسحقاق مثوبته، ومرضاته بفعل المأمورات {وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ}؛ أي: في سبيل عبوديته، وطريق الإخلاص في معرفته وخدمته؛ أي: جاهدوا أنفسكم بكفها عن أهوائها، وحملها


(١) الشوكاني.