للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

إلا من أتى الله بقلب سليم، {وَكَانَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {عَلِيمًا} بما في قلب عبده عند إقدامه على التوبة {حَكِيمًا} تقتضي حكمته أن يتجاوز عن التائب، وأن لا يحمل نفسًا وازرة وزر نفس أخرى، أو المعنى: إنه تعالى بعلمه الواسع حدد للناس شرائع يضرهم تجاوزها، وبحكمته جعل لها عقابًا يضر المتجاوز لها، فهو إذًا يضر نفسه، ولا يضر الله شيئًا.

١١٢ - {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً}؛ أي: ومن يكسب ذنبًا خطأ بلا تعمد أو صغيرة أو قاصرة على الفاعل، أو ما لا ينبغي فعله بالعمد أو بالخطأ، أو ذنبًا بينه وبين الله تعالى، يعني يمينه الكاذبة. وقرأ معاذ بن جبل: {ومن يكسب} بكسر الكاف وتشديد السين، وأصله يكتسب. وقرأ الزهري {خطية} بالتشديد، {أَوْ إِثْمًا}؛ أي: كبيرة، أو ما يتعدى إلى الغير، كالظلم والقتل، أو ما يحصل بالعمد، أو ذنبًا بينه وبين الناس، يعني سرقته ورميه اليهودي، {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ}؛ أي: يقذف بذلك الذنب شخصًا {بَرِيئًا} منه كما فعل طعمة حين رمى اليهودي بالسرقة ولم يسرق. فإن قلت (١): الخطيئة والإثم شيئان، فكيف وحد الضمير في قوله: {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ}؟.

قلت: معناه ثم يرم بأحد هذين المذكورين بريئًا، وقيل: معناه ثم يرم بهما، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، وقيل: إنه يعود الضمير إلى الإثم وحده؛ لأنه أقرب مذكور، وقيل: إن الضمير يعود إلى الكسب، ومعناه: ثم يرم بما كسب بريئًا؛ أي: ومن يكسب خطيئة أو إثمًا، ثم يبرىء نفسه منه، وينسبه إلى شخص بريء منه، ويزعم أنه هو الذي كسبه .. {فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}؛ أي: فقد كلف نفسه يحمل وزر البهتان والكذب العظيم، وحمل وزر الذنب المبين الظاهر بافترائه على البريء، واتهامه إياه؛ أي: فقد (٢) أوجب على نفسه عقوبة بهتان عظيم، وعقوبة ذنب بين، فالبهتان أن ترمي أخاك بأمر منكر، وهو بريء منه،


(١) الخازن.
(٢) المراح.