للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

مِنْ أَمْرِهِ} في محل رفع على أنها خبر رابع للمبتدأ المتقدم، أو هي خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: وسبحانه وتعالى يلقي الوحي بقضائه وإرادته {عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} الذين يصطفيهم لرسالته، وتبليغ أحكامه إلى من يريد من خلقه، وسمي الوحي روحًا؛ لأن القلوب تحيا به من موت الكفر، كما تحيا الأبدان بالروح.

والمعنى (١): ينزل الوحي الجاري من القلوب منزلة الروح من الأجساد، فكما أن الروح سبب لحياة الأجسام، كذلك الوحي سبب لحياة القلوب، فإن حياة القلوب إنما هي بالمعارف الإلهية الحاصلة بالوحي، فاستعير الروح للوحي؛ لأنه يحيى به القلب بخروجه من الجهل والحيرة إلى المعرفة والطمأنينة، وقوله: {مِنْ أَمْرِهِ}: متعلق بـ {يُلْقِي}، و {مِنْ} بمعنى الباء، أو لابتداء الغاية، ويجوز أن يكون متعلقًا بمحذوف على أنه حال من الروح؛ أي: حال كونه ناشئًا، ومبتدأ من أمره تعالى.

وقوله: {لِيُنْذِرَ}: غاية للإلقاء؛ أي: لينذر الله تعالى، أو الملقى عليه أو الروح، والإنذار: دعوة إبلاغ مع تخويف.

وقرأ الجمهور (٢): {لِيُنْذِرَ} مبنيًا للفاعل ونصب اليوم، والفاعل: هو الله سبحانه، أو الرسول، أو من يشاء، والمنذر به: محذوف تقديره: لينذر العذاب الواقع {يَوْمَ التَّلَاقِ} وقرأ أبي وجماعة: كذلك، إلا أنهم رفعوا {يَوْمَ} على الفاعلية مجازًا، وقرأ اليماني فيما ذكر صاحب "اللوامح": {ليُنذَر} مبنيًا للمفعول، {يَوْمَ التَّلَاقِ} الرفع، وقرأ ابن عباس والحسن واليماني: فيما ذكر ابن خالويه {لتنذر} بالتاء، فقالوا: الفاعل: ضمير الروح؛ لأنها تؤنث أو فيه ضمير المخاطب وهو الرسول، وقرىء: {التَّلَاقِ} و {اْلتَّنَادِ} بياء وبغير ياء، و {يَوْمَ التَّلَاقِ}: هو يوم القيامة، سمي بذلك؛ لأنه تتلاقى فيه الأرواح والأجساد، وأهل السموات وأهل الأرض، والعابدون والمعبودون، والعاملون والأعمال، والأولون والأخرون، والظالمون والمظلومون، وأهل النار مع الزبانية.


(١) روح البيان.
(٢) البحر المحيط.