للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

عليه لا يفلح {و} لا {تَدْعُوا} الكفار {إِلَى السَّلْمِ}؛ أي: إلى الصلح فورًا؛ أي: ابتداء منكم، فإن ذلك فيه ذلة لكم، وهو مجزوم بالعطف على {تَهِنُوا} ويجوز نصبه بإضمار أن، قال الزجاج: منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح، وأمرهم بحربهم حتى يسلموا، واختلف العلماء (١) في هذه الآية: هل هي محكمة أو منسوخة؟ فقيل: إنها محكمة، وإنها ناسخة لقوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}، وقيل: منسوخة بهذه الآية، ولا يخفاك أنه لا مقتضى للقول بالنسخ، فإنّ الله سبحانه نهى المسلمين في هذه الآية عن أن يدعوا إلى السلم ابتداءً، ولم ينه عن قبول السلم إذا جنح إليه المشركون، فالآيتان محكمتان ولم يتواردا على محل واحد، حتى يحتاج إلى دعوى النسخ أو التخصيص، قال قتادة: معنى الآية: لا تكون أوّل الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها.

وقرأ الجمهور (٢): {وَتَدْعُوا} مضارع دعا الثلاثي، وقرأ أبي عبد الرحمن السلمي: {وتدّعوا} بتشديد الدال من ادّعى القيم وتداعوا، مثل قولك: ارتموا الصيد وتراموا، وقرأ الجمهور: {إِلَى السَّلْمِ} بفتح السين، وقرأ الحسن وأبو رجاء والأعمش وعيسى وطلحة وحمزة وأبو بكر: بكسرها.

وجملة قوله: {وَأَنتُمْ} أيّها المؤمنون {الْأَعْلَوْنَ}؛ أي: الغالبون بالسيف والحجة، في محل النصب حال من فاعل {تَهِنُوا}، أو مستأنفة مقرّرة لما قبلها من النهي مؤكّدة لوجوب الانتهاء، قال الكلبيّ: آخر الأمر لكم، وإن غلبوكم في بعض الأوقات، وكذا جملة قوله: {وَاللَّهُ} سبحانه وتعالى {مَعَكُمْ} بالنصر والمعونة عليهم في محل نصب على الحال، فإنّ كونهم الأغلبين، وكونه تعالى؛ أي: ناصرهم في الدارين، من أقوى موجبات الاجتناب عمّا يوهم الذلّ والضراعة، وكذا توفيته تعالى لأجور أعمالهم، حسبما يعرف عنه قوله تعالى: {وَلَنْ يَتِرَكُمْ}؛ أي: لن ينقصكم سبحانه وتعالى {أَعْمَالَكُمْ}؛ أي: شيئًا من أجور أعمالكم، ولن يضيّعها، بل يوفي أجورها موفّرة كاملة، من وتره يتره وترًا، من


(١) الشوكاني.
(٢) البحر المحيط.