للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

أنَّ شدّة بطشهم أبطرتهم، وأقدرتهم، على التنقيب؛ أي: فبسبب شدّة بطشهم نقبوا في البلاد، وجالوا فيها، وأذلوها، وقهروا أهلها، واستولوا عليهم، وتصرفوا في أقطارها، فأهلكناهم، فهل لهم من محيص؛ أي: ليس لهم مخلص من عذابي؟ وجملة {هَلْ مِنْ مَحِيصٍ}: مستأنفة، واردة لنفي أن يكون لهم محيص؛ يعني: فإن أصرَّ أهل مكة .. فليحذروا من مثل ما حل بالأمم الماضية، فإنَّ الغاية هو الهلاك، والنهاية هو العذاب.

والمعنى (١): أي وكثير من الأمم التي قبلك أهلكناهم، وكانوا أشدّ من قومك بطشًا، وأكثر منهم قوّة، كعاد وثمود وتبع، فتقلبوا في البلاد، وسلكوا كل طريق ابتغاء للرزق، ولم يجدوا لهم من أمر الله مهربًا ولا ملجأ حين حم القضاء، وهكذا حالكم، فحذار أن يصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب العاجل في الدنيا، والآجل يوم القيامة.

وقرأ الجمهور (٢): {فَنَقَّبُوا} بفتح القاف مشددة، والظاهر: أنّ الضمير في {نقبوا}: عائد على {كَمْ}؛ أي: دخلوا البلاد من أنقابها وطرقها.

والمعنى: طافوا في البلاد، وقيل: نقروا وبحثوا، والتنقيب: التنقير والبحث، قال امرؤ القيس في معنى التطواف:

وَقَدْ نَقَّبْتُ فِيْ الآفَاقِ حَتَّى ... رَضِيْتُ مِنَ الْغَنِيْمَةِ بِالإِيَابِ

وروي: قد طوفت.

ومثله قول الحارث بن خلدة:

نَقَبُوْا فِيْ الْبِلَادِ مِنْ حَذَرِ المَوْ ... تِ وَجَالُوْا فِيْ الأَرْضِ كُلَّ مَجَالِ

{فَنَقَّبُوا} متسبب عن شدة بطشهم، فهي التي أقدرتهم على التنقيب، وقوّتهم عليه، ويجوز أن يعود الضمير في {فَنَقَّبُوا} على قريش؛ أي: فنقّبوا في أسفارهم في بلاد القرون، فهل رأوا محيصًا حتى يؤملوه لأنفسهم؟ ويدلّ على عود الضمير


(١) المراغي.
(٢) البحر المحيط.