للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الأنبياء من بعد مجيء الآيات تشجيعًا لهم على الثبات مع مخالفيهم، و {أَمْ} فيه منقطعة، تفسر بـ {بل} وبهمزة الإنكار؛ أي: بل أظننتم يا معشر المؤمنين أن تدخلوا الجنة بمجرد الإيمان بي وتصديق رسولي {وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ}؛ أي: والحال أنه لم يصبكم شبه ما أصاب الذين مضوا من قبلكم من الأنبياء وأممهم من الشدائد والمحن، ولم تبتلوا بمثل ما ابتلوا به من النكبات، فتصبروا كما صبروا، فإنهم {مَسَّتْهُمُ} جملة مستأنفة مبينة لما قبلها؛ أي: أصابتهم {الْبَأْسَاءُ}؛ أي: الخوف والبلايا والشدائد {وَالضَّرَّاءُ}؛ أي: الأمراض والأوجاع والجوع {وَزُلْزِلُوا} مبني للمجهول حذف الفاعل للعلم به؛ أي: زلزلهم أعداءهم؛ أي: وحركوا بأنواع البلايا والرزايا، وأزعجوا إزعاجًا شديدًا، واستمر ذلك {حَتَّى} تناهى الأمر من الشدائد و {يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} لتناهي الشدة واستطالة المدة بحيث تقطعت حبال الصبر، وقرأ (١) نافع: {يقولُ} بالرفع على أنها حكاية حال ماضية كقولك: مرض حتى لا يرجونه، وقرأ الأعمش شذوذًا: {وزلزلوا ويقول الرسول} بالواو بدل حتى {مَتَى} يأتي لنا {نَصْرُ اللَّهِ} الذي وعدناه استبطاء له لتأخره عنهم، ومعناه: طلب النصر، واستطالة زمان الشدة، وذلك لأن الرسل أثبت من غيرهم، وأصبر وأضبط للنفس عند نزول البلاء، وكذا أتباعهم من المؤمنين.

والمعنى: أنه بلغ بهم الجهد والشدة والبلاء، ولم يبق لهم صبر، وذلك هو الغاية القصوى في الشدة، فلما بلغ بهم الحال في الشدة إلى هذه الغاية، واستبطؤوا النصر .. قيل لهم من جهة الله تعالى: {أَلَا}؛ أي: انتبهوا {إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ} لأوليائه على أعدائه و {قَرِيبٌ} لهم لا بعيد، إجابة لهم إلى ما طلبوا من نصر عاجل، والمعنى (٢): هكذا كان حالهم لم يغيرهم طول البلاء والشدة عن دينهم إلى أن يأتيهم نصر الله، فكونوا - يا معشر المؤمنين - كذلك، وتحملوا الأذى والشدة والمشقة في طلب الحق، فإن نصر الله قريب، فاصبروا كما صبروا تظفروا.


(١) البيضاوي.
(٢) الخازن.