للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقوله: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} فعند ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى والمقاربة من أموالهم، والقيام بأمورهم، فاختلَّت مصالح اليتامى وساءت معيشتهم، فثقل ذلك على الناس، فقال عبد الله بن رواحة - وقيل: ثابت بن رفاعة الأنصاري -: يا رسول الله، ما لكلِّنا منازل تسكنها الأيتام، ولا كلنا يجد طعامًا وشرابًا يردهما لليتيم، فهل يجوز مخالطة اليتامى بالطعام والشراب والمسكن أم لا؟ فنزلت هذه الآية؛ أي: يسألونك يا محمَّد عن مخالطة اليتامى في أموالهم، أيخالطونهم أم يعتزلونهم؟ {قُلْ} لهم في الجواب {إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ}؛ أي: مخالطة اليتامى وإصلاح أموالهم من غير أخذ أجرة ولا عوض خير لهم من ترك مخالطتهم، وأعظم أجرًا لكم {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ} في الطعام والخدمة والسكن، وهذا فيه (١) إباحة المخالطة وحث عليها؛ أي: شاركوهم في أموالهم واخلطوها بأموالكم ونفقاتكم ومساكنكم وخدَمكم ودوابكم، فتصيبوا من أموالهم عوضًا من قيامكم بأمورهم، أو تكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم {فَإِخْوَانُكُمْ} في الدين؛ أي: فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضًا، ويصيب بعضهم من مال بعضٍ، على وجه الإصلاح والرخاء. {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ} لمال اليتيم بالمخالطة {مِنَ الْمُصْلِحِ} له، ويعلم الذي يقصد بالمخالطة الخيانة وأكل مال اليتيم بغير حق، والذي يقصد الإصلاح، فيجازي كلًّا على قصده، فاتقوا الله في مال اليتيم، ولا تجعلوا مخالطتكم إياهم ذريعةً إلى إفساد مال اليتيم، وأكله بغير حق {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ} إعناتكم وإحراجكم وتضييقكم، والتشديد عليكم {لَأَعْنَتَكُمْ}؛ أي: لأوقعكم في العنت والمشقة، وشدد عليكم في شأن اليتامى بتحريم مخالطتهم ومداخلتكم عليهم، ولكن وسع عليكم بتجويزها لكم، فاشكروا هذه النعمة {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {عَزِيزٌ}؛ أي: غالب يقدر أن يشدد على عباده، ويعنتهم ويكلفهم ما لا يطيقونه، ولكنه {حَكِيمٌ} يحكم ما تقتضيه الحكمة، وتتسع له الطاقة، لا يكلف عباده إلا ما تتسع له طاقتهم.

وفي وصفه تعالى بالعزة (٢) - وهو الغلبة والاستيلاء -: إشارةٌ إلى أنه مختص


(١) الخازن.
(٢) البحر المحيط.