للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

تظهر حقيقةً يوم البعث، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا. واستدعاءُ النفقة في سبيل الله مذكِّر بالبعث، وحاضُّ على اعتقاده؛ لأنه لو لم يعتقد وجوده .. لما كان ينفق في سبيل الله، وفي تمثيل النفقة بالحبَّة المذكورة إشارة أيضًا إلى البعث وعظيم القدرة؛ إذ حبة واحدة يُخرج الله منها سبع مئة حبة، فمن كان قادرًا على مثل هذا الأمر العجاب .. فهو قادر على إحياء الموات.

ويقال: لما ذكر المبدأ والمعاد، ودلائل صحتهما .. أتبع ذلك ببيان الشرائع، والأحكام والتكاليف، فبدأ بإنفاق الأموال في سبيل الله، وأمعن في ذلك، ثم انتقل إلى كيفية تحصيل الأموال بالوجه الذي يجوز شرعًا.

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ...} مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لمّا شرط في الإنفاق أن لا يتبع منًّا ولا أذىً .. لم يكتفِ بذلك حتى جعل المن والأذى مبطِلًا للصدقة، ونهى عن الإبطال بهما؛ ليقوى اجتناب المؤمن لهما؛ ولذلك ناداهم بوصف الإيمان. ولما جرى ذكر المن والأذى مرتين .. أعادهما هنا بالألف واللام، ودلت الآية على أن المن والأذى مبطلان للصدقة، ومعنى إبطالهما: أنه لا ثواب فيهما عند الله تعالى.

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ...} مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها هي: أنه تعالى لما ذكر فضل النفقة في سبيل الله، وحثَّ عليها، وقبَّح المنة، ونهى عنها، ثم ذكر القصد فيها من الرياء، أو ابتغاء مرضات الله .. ذكر هنا وصف المنفَق من المختار الجيد، وسواء كان الأمر في الآية للوجوب، أو للندب، والأكثرون على أن {طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} هو الجيد المختار، وأن الخبيث هو الرديء.

أسباب النزول

قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...} قيل (٢): نزلت في


(١) البحر المحيط.
(٢) واحدي.