للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وتحسين معاشهم {إِنَّمَا نُمْلِي} ونمهل {لَهُمْ} في أعمارهم ونعطيهم الأموال والأولاد {لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} وذنبًا وطغيانًا في أنفسهم، وإضلالًا لغيرهم في الدنيا، {وَلَهُمْ} في الآخرة {عَذَابٌ مُهِينٌ}؛ أي: ذو إهانة، وإذلال لهم يهانون به يومًا فيومًا وساعة بعد ساعة.

والخلاصة (١): أن هذا الإمهال والتأخر ليس عنايةً من الله بهم، وإنما هو قد جرى على سننه في الخلق بأن ما يصيب الإنسان من خير أو شر، فإنما هو ثمرة عمله، ومن مقتضى هذه السنة أن يكون الإمهال للكافر علة لغروره، وسببًا لاسترساله في فجوره، ونتيجة ذلك الإثم الذي يكتسبه: العذاب المهين.

وفي الآية من العبرة شيئان:

أحدهما: أن من شأن الكافر أن يزداد كفرًا بطول عمره، ويتمكن من العمل بحسب استعداده.

وثانيهما: أن من شأن المؤمن إذا أنسأ الله أجله أن تكثر حسناته، وتزداد خيراته، فليجعل المؤمن هذا دستورًا فيما بينه وبين ربه، ويحاسب نفسه على مقتضاه، فإذا فقهه وعمل به خرج من الظلمات إلى النور، وكان من {الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ}.

قال (٢) الفخر الرازي: بين الله تعالى في هذه الآية أن بقاء هؤلاء المتخلِّفين عن القتال، ليس خيرًا من قتل أولئك الذين قتلوا في أحد، لأن هذا البقاء صار وسيلة إلى الخزي في الدنيا، والعقاب الدائم في الآخرة، وقتل أولئك الذين قتلوا في أحد صار وسيلةً إلى الثناء الجميل في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة فترغيب أولئك المثبطين في مثل هذه الحياة، وتنفيرهم عن مثل ذلك القتل لا يقبله إلا جاهل انتهى.

وروى (٣) البغوي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه رضي الله


(١) المراغي.
(٢) الفخر الرازي.
(٣) الخازن.