للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وشغلهم عن الدلائل الموصلة إلى الحق والهدى، وتمنيته لهم تزيينه لهم الاستعجال باللذات الحاضرة، والتسويف بالتوبة والعمل الصالح.

والخلاصة: أن من شأن الشيطان ومقتضى طبعه: إضلال العباد، وشغلهم بالأماني الباطلة، كرحمة الله للمجرمين بغير توبة، والخروج من النار بعد دخولها بالشفاعة، وتزيين لذات الحياة العاجلة على ثواب الآجلة ونعيمها.

{وَلأمُرَنَّهُمْ} بالتبتيك؛ أي: شق آذان الناقة {فَلَيُبَتِّكُنَّ}؛ أي: فليقطعن {آذَانَ الْأَنْعَامِ} ويشقونها بموجب أمري لهم، والمراد به: ما كانوا يفعلونه من قطع آذان بعض الأنعام لأصنامهم، كالبحائر التي كانوا يقطعون آذانها أو يشقونها شقًّا واسعًا، ويتركون الحمل عليها إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرًا، وهذا من سخيف أعمالهم الوثنية الدالة على ضعف عقولهم، {وَلأمُرَنَّهُمْ} بتغيير خلق الله، {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} صورة أو صفة، بموجب أمري لهم، كخصاء العبيد، وفقء العيون، وقطع الآذان، والوشم والوشر، ووصل الشعر، فإن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا، وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفًا .. عوَّروا عين فحلها، ويدخل في هذه الآية التخنث والسحاقات، لأن التخنث عبارة عن تشبه الذكر بالأنثى، والسحق عبارة عن تشبه المرأة بالذكر، وعموم اللفظ يمنع الخصاء مطلقًا، لكن الفقهاء رخصوا في البهائم للحاجة، فيجوز في المأكول الصغير، ويحرم في غيره، وأما خصاء بني آدم فحرام.

وقال الشوكاني (١): واختلف العلماء في هذا التغيير ما هو، فقالت طائفة: هو الخصاء، وفقء الأعين، وقطع الآذان، وقال آخرون: إن المراد بهذا التغيير هو: أن الله سبحانه وتعالى خلق الشمس والقمر والأحجار والنار ونحوها من المخلوقات لما خلقها له، فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة، وبه قال الزجاج، وقيل: المراد بهذا التغيير، تغيير الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور، حملًا شموليًّا أو بدليًّا، انتهى.


(١) فتح القدير.