للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

المستعد. أو حال مؤكدة، أو بدل منه، أو خبر إن، والجملة قبلها اعتراض بما هو علّة الحكم.

ثّم هذا تيئيس للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وتفريغ لقلبه، حيث أخبره عن هؤلاء بما أخبر به نوحا عليه السلام في الانتهاء، فإنّه قال تعالى لنوح عليه السلام بعد طول الزمان، ومقاساة الشدائد والأحزان: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ}، فدعا بهلاكهم بعد ذلك، وكذلك سائر الأنبياء.

وفي الآية الكريمة: إخبار بالغيب على ما هو به، إن أريد بالموصول أشخاص بأعيانهم فهي من المعجزات الباهرة. وفي الآية: إثبات فعل العبادة، فإنّه قال: {لا يُؤْمِنُونَ}، وفيه إثبات الاختيار، ونفي الإكراه، والإخبار، فإنّه لم يقل: لا يستطيعون، بل قال: لا يؤمنون.

فإن قلت (١): حين علم الله أنهم لا يؤمنون، فلم أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بدعائهم؟

قلت: فائدة الإنذار بعد العلم: بأنّه لا ينجع إلزام الحجة، كما أنّ الله تعالى بعث موسى إلى فرعون ليدعوه إلى الإيمان، وعلم أنّه لا يؤمن، قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}، وقال: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ}.

فإن قلت: قد أخبر الله رسوله أنّهم لا يؤمنون، فهلّا أهلكهم كما أهلك قوم نوح عليه السلام، بعدما أخبره أنّهم لا يؤمنون؟

قلت: لأنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كان رحمة للعالمين، كما ورد به الكتاب، فقد قال تعالى: {وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.

والآية (٢) مما احتّج به من جوّز تكليف ما لا يطاق، فإنّه سبحانه وتعالى


(١) روح البيان.
(٢) البيضاوي.