للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وحدَه، وعدم النقص في الكيل والوزن .. ذكر هنا رَدَّهم على كلا الأمرين، فردوا على الأول، بأنهم إنما ساروا على منهج آبائهم، وأسلافهم، في التدين، والإيمان, ورَدُّوا على الثاني بأنهم أحرارٌ في أموالهم يتصرفون فيها بما يجلب لهم المصلحةَ فيها.

ثم أعاد النصحَ لهم بأنه لا يريد لهم إلا الإصلاح، وأنه يخشى أن يصيبَهم مثل ما أصابَ الأمم قبلَهم، كقوم نوح أو قوم هود، وما الأحداث التي اجتاحَتْ قوم لوط ببعيدَة عنكم، فعليكم أن تتوبوا إلى ربكم، عَلَّه أن يَرْحَمَكم فهو واسع الرحمة، محب لمن تَابَ وأناب إليه.

وعبارة أبي حيان هنا: مناسبتُها لما قَبْلَها: أنه لما أمرهم (١) شعيب بعبادة الله, وترك عبادة أوثانهم، وبإيفاء المكيال والميزان, رَدُّوا عليه على سبيل الاستهزاءِ والهُزْءِ بقولهم: {أَصَلَاتُكَ}، وكانَ كثيرَ الصلاة، وكان إذا صلى تغامزوا، وتضاحكوا، {تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} مقابلُ لقوله: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} {أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} أو أنْ نفعلَ في أموالنا ما نشاء مقابلٌ لقوله: {وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ}.

قوله تعالى: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ ...} الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنهم (٢) لما جادلوه أولًا بالتي هي أحسن، وعميَت عليهم العلل، وضاقَت بهم الحِيل، ولم يجدوا للمحاورة ثمرةً، تحولوا إلى الإهانة، والتهديد، وجعلوا كَلامَهُ من الهذيان، والتخليط الذي لا يفهم معناه، ولا تُدْرَكُ فحواه، فقابلهم بالإنذار بقرب الوعيد، ونزول العذاب الشديد.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) ...} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها، أن الله سبحانه وتعالى، لمّا فرغ من ذكر قصة شعيب، صهر موسى، مع قومه .. أرْدفَ بذكر قصص موسى مع فرعون، وملأه، للإعلام بأنَّ عاقبةَ فرعون وأشراف قومه اللعنةُ والهلاك، ككفار أولئك الأمم


(١) البحر المحيط.
(٢) المراغي.