للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)}، واعلم (١) أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع: أولاها سن النشوِّ، وثانيها سن الوقوف وهو سن الشباب، وثالثها سن الإنحطاط اليسير، وهو سن الكهولة، ورابعها سن الانحطاط الظاهر، وهو سن الشيخوخة.

والمعنى (٢): أي والله سبحانه وتعالى أوجدكم أيها الناس، ولم تكونوا شيئًا أنتم ولا آلهتكم التي تعبدونها من دون الله تعالى، ثم وقت أعماركم بآجال مختلفة، فمنكم من تعجل وفاته، ومنكم من يهرم ويصير إلى أرذل العمر وأخسه، فتنقص قواه، وتفسد حواسه، ويكون في عقله وقوته كالطفل كما قال: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ}.

أخرج البخاري وابن مردويه عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دعائه: "أعوذ بك من البخل والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات".

وثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ باللهِ أن يرد إلى أرذل العمر.

ثم علل سبحانه رد من يرده إلى أرذل العمر بقوله: {لِكَيْ لَا يَعْلَمَ} ذلك المردود {بَعْدَ عِلْمٍ} كان قد حصل له {شَيْئًا} من العلم، لا كثيرًا ولا قليلًا، أو شيئًا من المعلومات، إذا كان العلم هنا بمعنى المعلوم، وقيل: المراد بالعلم هنا العقل، وقيل: المراد لئلا يعلم زيادة على علمه الذي قد حصل له قبل ذلك، فاللام في لكيلا جارة للمصدر، دخلت على كي الناصبة، وهي متعلقة بيرد.

والمعنى (٣): أي ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولية في نقصان العقل وسوء الفهم، وفي النسيان؛ أي: وإنما (٤) رده إلى أرذل العمر ليعود جاهلًا كما كان حين طفولته وصباه، لا يعلم شيئًا مما كان يعلمه في شبابه؛ لأن، الكبر قد أضعف عقله وأنساه، فلا يعلم شيئًا مما كان يعلم، وقد انسلخ من عقله بعد أن كان كامل العقل.


(١) الشوكاني.
(٢) المراغي.
(٣) المراح.
(٤) المراغي.