للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

تعالى، أمرًا كان، أو نهيًا أو غيرهما من الأمانات. {كَفُورٍ}؛ أي: كثير الكفران لنعمته، مقررة (١) معللة لمضمون الجملة الأولى، فإن المدافعة من الله لهم عن عباده المؤمنين، مشعرة أتم إشعار بأنهم مبغضون إلى الله، غير محبوبين له، فلا يرضى فعلهم ولا ينصرهم.

أي: وإنما (٢) دفعهم وقهرهم؛ لأنهم خانوا أمانة الله، وهي أوامره ونواهيه، وكفروا أنعمه التي يسديها إليهم بكرةً وعشيًا، وعبدوا غيره مما لا يضر ولا ينفع، وفي هذا إيماء إلى أن المؤمنين هم أحباء الله. قال الزجاج: من ذكر غير اسم الله، وتقرب إلى الأصنام بذبيحة، فهو خوان كفور، وإيراد صيغتي المبالغة للدلالة على أنهم كذلك في الواقع، لا لإخراج من خان دون خيانتهم، أو كفر دون كفرهم. واعلم (٣) أن الكفران في جحود النعمة أكثر استعمالًا، والكفر في الدين أكثر، والكفور فيهما جميعًا وأن الخيانة والنفاق واحد؛ لأن الخيانة تقال اعتبارًا بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتبارًا بالدين، ثم يتداخلان، فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر، ونقيض الأمانة ومن الخيانة الكفر، فإنه إهلاك للنفس التي هي أمانة الله عند الإنسان. وتجري الخيانة في الأعضاء كلها. قال تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} وتجري في الصلاة والصوم ونحوهما، وإما بتركها، أو بترك شرط من شرائطها الظاهرة والباطنة، فأكل السحور مع غلبة الظن بطلوع الفجر، أو الإفطار مع الشك بالغروب خيانة للصوم، ومن أكل السحور فنام عن صلاة الصبح، حتى طلعت الشمس، فقد كفر بنعمة الله التي هي السحور، وخانه بالصلاة أيضًا، فترك الفرض لأجل السنة تجارة خاسرة.

ثم إن المؤمن الكامل، منصور على كل حال، فلا يضره كيد الخائنين، فإن الله لا يحب الخائنين، فإذا لم يحبهم لم ينصرهم، ويحب المؤمن فينصره.


(١) الشوكاني.
(٢) المراغي.
(٣) روح البيان.