للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

لو لم يفعل فرعون ذلك؛ أي: قهر بني إسرائيل وذبح أبناءهم .. لتكفلت أم موسى بتربيته، ولما قذفته في اليم، حتى يصل إلى فرعون، ويربى بتربيته، فكيف يمتن عليه بما كان بلاؤه سببًا له، فقوله: {تِلْكَ}: مبتدأ، و {نِعْمَةٌ}: خبرها، و {تَمُنُّهَا عَلَيَّ}: صفة، و {أَنْ عَبَّدْتَ}: خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وهي في الحقيقة تعبيد قومى، يقال: عبدته إذا أخذته وقهرته وذللته.

رد موسى عليه السلام أولًا ما وبخه فرعون قدحًا في نبوته، ثم يرجع إلى ما عده عليه نعمة، ولم يصرح برده حيث كان صدقًا غير قادح في دعواه، بل نبه على أن ذلك كان في الحقيقة نقمة لكونه مسببًا عنها، وهي تعبيد بني إسرائيل وذبح أبنائهم.

وقرأ الضحاك (١): {وتلك نعمة ما لك أن تمنها}، وهذه قراءة تؤيد هذا التأويل، وهذا التأويل فيه مخالفة لفرعون، ونقض كلامه كله. وقيل: هذا الكلام إقرار من موسى عليه السلام بالنعمة، كأنه يقول: وتربيتك لي نعمة علي من حيث أن عبدت غيري، وتركتني واتخذتني ولدًا, ولكن لا يدفع ذلك رسالتي، وإلى هذا التأويل ذهب السدي والطبري. وقيل: الكلام على تقدير (٢) همزة الاستفهام الإنكاري، والمعنى: أتمن علي أن ربيتني، وتنسى جنايتك على بني إسرائيل بالاستعباد والمعاملات القبيحة، أو يريد: كيف تمن علي بالتربية وقد استعبدت قومي، ومن أهين قومه فقد ذل، فتعبيد بني إسرائيل قد أحبط حسناتك إلي؛ ولو لم تستعبدهم، ولم تقتل أولادهم .. لم أرفع إليك حتى تربيني وتكفلني، ولكان من أهلي من يربيني، ولم يلقوني في اليم.

وخلاصة ذلك (٣): أفي إحسانك إلى رجل منهم بما أسألت به إلى مجموعهم؟ فهو ليس بشيء إذا قيس بما فعلته بالشعب أجمع، وكأنه قال: إن هذا ليس بنعمة؛ لأن الواجب عليك أن لا تقتلهم، ولا تستعبدهم، فإنهم قومي،


(١) البحر المحيط.
(٢) البيضاوي.
(٣) المراغي.