للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

عقْبيه} بسكون القاف، وهي لغة تميم، وكلا القراءتين شاذتان. {وَإِنْ}؛ أي: وإنها {كَانَتْ}؛ أي: التولية إلى الكعبة {لَكَبِيرَةً}؛ أي: لشاقة على الناس ثقيلة عليهم. وقرأ (١) اليزيدي شذوذًا: {لكبيرةٌ} بالرفع، وخرج ذلك الزمخشري على زيادة {كاَنَتْ} والتقدير: وإن هي لكبيرة، وهذا ضعيف؛ لأن كان الزائدة لا عمل لها، وهنا اتصل بها الضمير فعملت فيه، ولذلك استكن فيها وقرأ الجمهور {لَكَبِيرَةً} بالنصب على أن تكون خبر {كاَنَتْ}.

{إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} منهم؛ أي: هداهم ووفَّقهم لاتّبَاع الرسول، وهم الثابتون على الإيمان {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}؛ أي: تصديقكم بالقِبْلة الأولى المنسوخة، وصلاتكم إليها؛ أي: لا يجعل صلاتكم إليها ضائعًا غير محسوب لكم، بل يثيبكم عليها؛ لأن سبب نزولها: السؤال عمن مات قبل التحويل. وذلك (٢) أن حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس، إن كانت على هدى فقد تحولتم عنه، وإن كانت على ضلالة فقد دنتم الله بها مدة، ومن مات عليها فقد مات على ضلالة، فقال المسلمون: إنما الهدى فيما أمر الله به، والضلالة فيما نهى الله عنه. قالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قِبْلتنا وكان قد مات قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة: أسعد بن زرارة من بني النجار، والبراء بن معرور من بني سلمة وكانا من النقبا ورجال آخرون؟ فانطلقت عشائرهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: يا رسول الله، قد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم، فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}؛ يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس. وقرأ الضحاك {ليضَيَّع} بفتح الضاد، وتشديد الياء، مضاعف ضاع، وهي قراءة شاذة {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ} أي: بالمؤمنين {لَرَءُوفٌ}؛ أي: لمنعم لهم بجلائل النعم. {رَحِيمٌ} بهم بدقائقها. وهذه الجملة جارية مجرى التعليل لما قبلها؛ أي: للطف رأفته، وسعة رحمته، لا يضيع إيمان من آمن، ولا عمل من عمل صالحًا.


(١) البحر المحيط.
(٢) الخازن.