للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

{وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ}؟

قلتُ: إن الأول دال على عدل الله في حكمه، وأن لا يؤاخذ نفسًا بغير ذنبها، والثاني: في بيان أنه لا غياث يومئذ حتى إن نفسًا قد أثقلتها الأوزار لو دعت إلى أن يخفف بعض وقرها لم تجب. ولم تغث، وإن كان المدعو بعض قرابتها.

قال في "الإشارة": هذه الآية نفي للتحمل اختيارًا، والأولى نفي له إجبارًا، وفيه من (١) الإشارة أن الطاعة نور، والعصيان ظلمة، فإذا اتصف جوهر الإنسان بصفة النور، أو بصفة الظلمة .. لا تنقل تلك الصفة من جوهره إلى جوهر إنسان آخر أيًا كان، ألا ترى أن كل أحد عند الصراط يمشي في نوره لا يتجاوز منه إلى غيره شيء، وكذا من غيره إليه.

ومعنى الآية (٢): وان تدع نفس مثقلة بالذنوب نفسًا أخرى إلى حمل شيء من ذنوبها معها لم تحمل تلك المدعوة من تلك الذنوب شيئًا، ولو كانت قريبةً لها في النسب، فكيف بغيرها مما لا قرابة بينها وبين الداعية لها، وقرأ الجمهور (٣): {لَا يُحْمَلْ} بالياء مبنيًا للمفعول، وأبو السمال عن طلحة وإبراهيم بن زاذان عن الكسائي بفتح التاء من فوق وكسر الميم، وتقتضي هذه القراءة نصب شيء، كما اقتضت قراءة الجمهور رفعه، وفاعل {تحمل} ضمير عائد على مفعول {تَدْعُ} المحذوف؛ أي: وإن تدع مثقلة نفسًا أخرى إلى حملها .. لم تحمل منه شيئًا، وقرىء: {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} على أن {كَانَ} تامة؛ أي: ولو حضر، آنذاك ذو قربى، ودعته لم يحمل منه شيئًا مثل قوله: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ}، ونحو الآية قوله: {لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا}، وقوله: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)}، ثم سلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - عدم قبولهم دعوته وإصرارهم على عنادهم، فقال: {إِنَّمَا تُنْذِرُ} يا محمد بهذه الإنذارات، والإنذار: الإبلاغ مع التخويف {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ}؛ أي: يخافون


(١) روح البيان.
(٢) الشوكاني.
(٣) البحر المحيط.