للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

حق، ويكون الخطاب موجهًا إلى الإِمام، أو من ينوب منابه؛ أي: كتب عليكم أيها الأئمة استيفاء القصاص من القاتل إذا أراد ولي الدم استيفائه، أو يكون (١) الخطاب موجهًا إلى القاتل، والتقدير: يا أيها القاتلون كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص، وذلك أنه يجب على القاتل إذا أراد الولي قتله أن يستسلم لأمر الله، وينقاد لقصاصه المشروع، وليس له أن يمتنع، بخلاف الزاني والسارق؛ فإن لهما الهرب من الحد، ولهما أن يستترا بستر الله، ولهما أن لا يعترفا، والقصاص: المساواة والمماثلة في القتل والدية والجراح، من قص الأثر

إذا اتبعه، فالمفعول به يتبع ما فعل به، فيفعل به مثل ذلك، والمعنى: فرض عليكم المساواة والعدل في القصاص بسبب القتل عند مطالبة الولي بالقصاص، لا كما يفعله الأقوياء مع الضعفاء من المغالاة في قتل الكثير بالقليل، ثم فسر المساواة بقوله: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ}؛ أي: يؤخذ الحر ويقتل بقتل الحر بلا إبطاء ولا جور، فإذا قتل حرٌّ حرًّا .. قتل هو به لا غيره من سادة القبيلة، ولا عدد كثير منها، ولا يقتل الحر بالعبد. {وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ}؛ أي: يؤخذ العبد ويقتل بالعبد، وبالحر من باب أولى، وبينت الأحاديث: أنه يقتل أحد النوعين الذكر والأنثى بالآخر، ويعتبر أن لا يفضل القاتل القتيل بالدين، والأصلية، والحرية.

ومعنى الآية (٢): أنه إذا تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين، أو العبيد من المسلمين، أو الأحرار من المعاهدين، أو العبيد منهم: فيُقتل كل صنف إذا قَتَل بمثله؛ الذكر بالذكر وبالأنثى، والأنثى بالأنثى وبالذكر، ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا حر بعبد، ولا والد بولد، ويقتل الذمي بالمسلم، والعبد بالحر، والولد بالوالد، هذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، ويدل عليه ما روى البخاري في "صحيحه" عن جحيفة قال: سألت عليًّا رضي الله عنه: هل عندكم من النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء سوى القرآن؟ قال: لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا أن يؤتي الله عبدًا فهمًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفك


(١) البحر المحيط.
(٢) الخازن.