للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

يأخذون الحلوان - وهي رشا الكهان - ويحكمون لهم بحسبه، وبحسب الشهوات أرادوا بسفههم أنْ يكون خاتم النبيين حكمًا كأولئك الحكام. وقرأ الجمهور: {يَبْغُونَ} بالياء على نسق الغيبة المتقدمة، وقرأ ابن عامر: {تبغون} بالتاء على الخطاب، وفيه مواجهتهم بالإنكار والردع والزجر، وليس ذلك في الغيبة فهذه حكمة الالتفات، والخطاب ليهود قريظة والنضير، والمعنى: قل لهم يا محمد: أفحكم الجاهلية تبغون. والاستفهام في قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} للإنكار أيضًا؛ أي: لا أحسن من حكم الله عند أهل اليقين، لا عند أهل الجهل والأهواء؛ أي: لا أحد (١) أحسن حكمًا من حكم الله عند قوم يوقنون بدينه، ويذعنون لشرعه؛ لأنه حكم جامع بين منتهى العدل والحق من الحاكم، والقبول والإذعان من المحكوم له والمحكوم عليه، وبهذا يحصل التفاضل بين الشرائع الإلهية والقوانين البشرية.

والخلاصة: أن مما ينبغي التعجب منه من أحوالهم، أنَّهم يطلبون حكم الجاهلية الجائر ويؤثرونه على حكم الله العادل، وفي الأول: تفضيل القوي على الضعيف واستذلاله واستئصال شأفته، وفي الثاني: العدل الذي يستقيم به أمر الخلق وبه ينتشر الأمن والرضا والطمأنينة بين الناس، ويشعر كل منهم بالهدوء وراحة الضمير، واللام في (٢) قوله: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} للبيان كما في قوله تعالى: {هَيتَ لَكَ} وقولهم: سقيًا لك، فيتعلق بمحذوف تقديره؛ أي: هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون، فإنهم هم الذين يتدبرون الأمور، ويتحققون الأشياء بأنظارهم، فيعلمون أنْ لا أحسن حكمًا من الله تعالى، وقيل: بمعنى عند كما أشرنا إليه في الحل.

الإعراب

{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا


(١) المراغي.
(٢) البيضاوي.