للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

لنيل السعادة الأبدية إلا إذا اهتدى بهدى النبيين والمرسلين، فإن إرسالهم وإنزال الوحي عليهم وإرشادهم للناس سبب لكل ارتقاء إنساني في حياته الجسمانية والروحية، فبذلك تذهب الضغائن والأحقاد من القلوب، ويزول الخلاف والشقاق بين الناس، ويعيشون في وفاق ووئام (١) علمًا منهم بأن هناك سلطة عليا ترقب أعمالهم وتحاسبهم على النقير والقطمير في ذلك اليوم العبوس القمطرير، وتجزى كل نفس بما كسبت، لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب. ثم لقن الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - الرد على منكري الوحي والرسالة من مشركي قريش إثر بيان كون ذلك من شؤونه تعالى، ومن مقتضى نظام حياة البشر، وقد كانوا يعلمون أن اليهود هم أصحاب التوراة المنزلة على موسى عليه السلام، فقد أرسلوا إلى المدينة وفدًا، زعيماه: النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط؛ ليسألوا الأحبار عما يعلمون عن محمَّد وصفته؛ لأنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ما ليس عند غيرهم من علم الأنبياء. فلما أتوا إلى أولئك الأحبار سألوهم عنه، فأنكروا معرفته، وبذا يكون الاحتجاج عليهم بإنزال التوراة على موسى احتجاجًا ملزمًا ودافعًا لإنكارهم، فقال: {قُلْ} يا محمَّد لهؤلاء اليهود والمشركين من قومك الذين أنكروا إنزال القرآن عليك بقولهم: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} على سبيل التوبيخ والقريع والتبكيت {مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى}، أي: من أنزل التوراة التي أنزلت على موسى بن عمران؟ وفي هذا الاستفهام توبيخ لليهود بسوء جهلهم وإقدامهم على إنكار الحق الذي لا ينكر حال كون ذلك الكتاب المنزل على موسى {نُورًا} أي: ضياء من ظلمة الضلالة {وَهُدًى لِلنَّاسِ}؛ أي: هاديًا للناس، ومفرقًا بين الحق والباطل من دينهم، وذلك قبل أن تبدل وتغير، حال كونكم {تَجْعَلُونَهُ}؛ أي: تجعلون ذلك الكتاب {قَرَاطِيسَ}؛ أي: أوراقًا مفرقة في دفاتر كثيرة {تُبْدُونَهَا}؛ أي: تظهرون تلك القراطيس المكتوبة؛ أي: يظهرون ما وافق هواهم منها {وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} من تلك القراطيس مما لا يوافق هواهم؛ كنعت محمَّد - صلى الله عليه وسلم -،


(١) الوئام: بالهمزة بعد الواو كالوفاق وزنا ومعنى، وفي المثل: لولا الوئام لهلك الأنام؛ أي: لولا الموافقة بينهم اهـ مختار.