للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

{اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} يقول للكفّار: (١) وحّدوا ربّكم، ويقول للعاصين: أطيعوا ربّكم، ويقول للمنافقين: أخلصوا بالتوحيد معرفة ربّكم، ويقول للمطيعين: اثبتوا على طاعة ربّكم. واللفظ يحتمل لهذه الأوجه كلّها، وهو من جوامع الكلم، كما في «تفسير أبي الليث». والعبادة: استفراغ الطاقة في استكمال الطاعة، واستشعار الخشية في استبعاد المعصية. {الَّذِي خَلَقَكُمْ} صفة جرت عنه للتعظيم والتعليل معناه: أطيعوا ربّكم الذي خلقكم، لخلقكم ولم تكونوا شيئا. والخلق: اختراع الشيء على غير مثال سبق. {وَ} خلق {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}؛ أي: من أهل زمن قبل زمانكم من الأمم. فـ {مِنْ} ابتدائية متعلّقة بمحذوف، وفي الوصف به، إيماء إلى سبب وجوب عبادته تعالى، فإنّ خلق أصولهم من موجبات العبادة، كخلق أنفسهم. وفيه دلالة على شمول القدرة، وتنبيه من سنة الغفلة؛ أي: أنّهم كانوا فمضوا، وجاءوا وانقضوا، فلا تنسوا مصيركم، ولا تستجيزوا تقصيركم.

{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}؛ أي: اعبدوه وحده؛ لتجعلوا عبادته وقاية وسترا بينكم وبين عذابه، هذا إن جرينا على أنّ (لعلّ) للتعليل. ويحتمل كونها على أصل معناها من الترجيّ، فتكون جملتها حالا من فاعل {اعْبُدُوا}؛ أي: أفردوه بالعبادة حالة كونكم راجين أن تدخلوا، وتنظّموا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح، المستوجبين لجوار الله تعالى. و (لعلّ) للترجّي والإطماع، وهي من الله تعالى واجب؛ لأنّ الكريم لا يطمع إلّا فيما يفعل. والأولون والآخرون مخاطبون بالأمر بالتقوى. وخصّ المخاطبين بالذكر؛ تغليبا لهم على الغائبين، كما في «الكواشي».

وقرأ ابن السميفع (٢) {وخلق من قبلكم} جعله من عطف الجمل. وقرأ زيد بن علي {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} بفتح ميم (من) قال الزمخشري: وهي قراءة مشكلة، ووجهها على إشكالها بأن يقال: أقحم الموصول الثاني بين الأول وصلته؛ تأكيدا، كما أقحم جرير في قوله:


(١) روح البيان.
(٢) البحر المحيط.