للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

يصل الحر إلى أجوافهم.

وخص (١) الجباه والجنوب والظهور بالذكر لكون التألم بكيِّها أشد، لما في داخلها من الأعضاء الشريفة وقيل: ليكون الكي في الجهات الأربع من قدام وخلف، وعن يمين وعن يسار، وقيل: لأن الجمال في الوجه، والقوة في الظهر والجنبين والإنسان، إنما يطالب المال للجمال والقوة، وقيل: لأن الغني صاحب المال إذا أتاه السائل فطلب منه شيئًا .. تبدو منه آثار الكراهة والمنع، فعند ذلك يكلح وجهه، وتجتمع أسارير جبهته، فيتجعد جبينه، ثم إن كرر السائل الطلب .. ناى بجانبه عنه ومال عن جهته وتركه جانبًا، ثم إن كرر الطلب وألح في السؤال .. ولاه ظهره، وأعرض عنه واستقبل جهةً أخرى، وهي نهاية في الرد، وغاية في المنع الدال على كراهية الإعطاء والبذل، وهذا دأب مانعي البر والإحسان، وعادة البخلاء، فلذلك خص هذه الأعضاء الثلاثة بالكي يوم القيامة.

وقيل (٢): خصت هذه الأعضاء دون بقية الجسد؛ لأنهم يستقبلون بالوجوه الناس، وأساريرهم منبسطة غبطة لعظم الثروة، ويستقبلون الفقراء ووجوههم منقبضة من العبوس، لينفروا ويحجموا عن السؤال، ولأن الجنوب والظهور كانوا يتقلبون بها على سرر النعمة، اضطجاعًا واستلقاءً، ويعرضون بها عن لقاء المساكين، وطلاب الحاجات، فلا يكون لهم في جهنم استراحة، فيما سوى الوقوف، إلا بالانكباب على الوجوه، كما قال تعالى: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)}.

وفي الآية (٣) إيماء إلى أنه يحمى عليها بأعيانها، والله قادر على إعادتها، وأمور الآخرة من عالم الغيب، فلا ندرك كنهها ولا صفتها فنفوض الأمر فيها إلى عالم الغيب، وعلينا الاعتبار بما فيها من إصلاح النفس وتهذيب الأخلاق.

وروى مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله .. إلا


(١) الشوكاني.
(٢) الخازن.
(٣) المراغي.