للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

{وَمَا نَقَمُوا}؛ أي: وما أنكر هؤلاء المنافقون، وما كرهوا من أمر الإِسلام وبعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيهم شيئًا يقتضي الكراهة، والهم بالانتقام {إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ}؛ أي: إلا إغناء الله تعالى إياهم ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من فضله بالغنائم، التي هي عندهم أحب الأشياء لديهم في هذه الحياة، وكانوا كسائر الأنصار فقراء، فأغناهم الله تعالى ببعثة الرسول ونصره، وبما آتاه من الغنائم، كما وعده، ومن ثم قال - صلى الله عليه وسلم - للأنصار: "كنتم عالةً فأغناكم الله بي".

فإن (١) هؤلاء المنافقين، كانوا قبل قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة في ضنك من العيش، لا يركبون الخيل، ولا يحرزون الغنيمة، وبعد قدومه - صلى الله عليه وسلم - أخذوا الغنائم، وفازوا بالأموال، ووجدوا الدولة. وقتل للجلاس مولى، فأمر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بديته اثني عشر ألفًا، فاستغنى وذلك يوجب عليهم أن يكونوا محبين له - صلى الله عليه وسلم -، مجتهدين في بذل النفس والمال لأجله، فعملوا بضد الواجب، فوضعوا موضع شكره - صلى الله عليه وسلم - أن كرهوه وعابوه.

{فَإِنْ يَتُوبُوا} من النفاق، وما يصدر عنه من مساوي الأقوال والأفعال، كما وقع للجلاس بن سويد، فإنه تاب وحسنت توبته {يَكُ خَيْرًا لَهُمْ}؛ أي: يكن ذلك المتاب خيرًا لهم في الدنيا والآخرة، أما في (٢) الدنيا فبما فيه من التوكل على الله والرضا بقضائه، والصبر على بلائه، والعمل لما فيه السعادة في الآخرة ومعاشرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومشاهدة فضائله، وأخوة المؤمنين، بعضهم لبعض، وما فيها من الود والوفاء الكامل، والإيثار على النفس إلى نحو ذلك.

وأما في الآخرة: فبما علمت مما وعد الله به المؤمنين، من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، والمساكن الطيبة.

{وَإِنْ يَتَوَلَّوْا}؛ أي: يعرضوا عن التوبة {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا} بقتلهم وسبي أولادهم وأزواجهم، واغتنام أموالهم؛ لأنه لما ظهر كفرهم بين الناس .. صاروا مثل أهل الحرب. فيحل قتالهم {و} في {الآخرة} بالنار


(١) المراح.
(٢) المراغي.